الصفحة 59 من 92

-تفضي إلى التبعية للغرب؛ فحين تجزّأت الأمة إلى كيانات وطنية متفرّقة هزيلة كان أنِ التحق كلّ كيان بقوة كبرى تسنده؛ لأنه لا يعتمد على هوية أصيلة عند الأمة، فكان من البديهيّ أن يكون تابعا لإحدى القوى الكبرى.

-نزعة عَمِلَ الغرب على زرعها بين المسلمين لتفريقهم والحيلولة دون وحدتهم، بعد أن فشل في إبقاء وجوده عسكريا في كل بلاد المسلمين (رغم وجوده في بعض البلدان اليوم!) عملَ على إثارة هذه النُّعرة الوطنية لتمزيق وحدة الأمة.

-تقليد لا مبرّر له؛ فملابسات ظهورها ونشأتها في أوروبا لم تمرّ بها الأمة الإسلامية، فكان اعتبارها شيئا حتميا على الأمة الإسلامية أن تتعايش معه أمرًا منافيًا للموضوعيّة! ولسنا نحتاج أن نبرّر توافق الإسلام مع كل وافد يأتينا من قيم الغرب؛ ففي ديننا ما يغنينا من القيم والموازين.

تثور الكثير من الشبهات حول مفهوم الوطنية، وعلى وجه الخصوص من قِبَلِ من أراد لها أن تكون مفهوما شرعيًّا [1] ندبَ إليه الشرع بل وأوجبه أحيانًا! وسوف نناقش في هذا الفصل أبرز هذه الشبهات التي تثور حول موضوع الوطنيّة وعلاقتها بالإسلام، إضافة لما سُقْناه من رفع الالتباسات في الفصل السابق.

* الشبهة الأولى: هل هو مجرّد خلاف مسمّيات؟

إحدى أبرز الشبهات التي تثور هي القول بأن الخلاف حول الوطنية هو خلاف مسمّيات، وأن منشأ هذا الخلاف أنّني أتصوّر الوطنية على أنها الوطنية المذمومة؛ أي أحمّلها معاني مخالفة للإسلام، ولذلك أرفضها إطلاقا. وأنهم حين عرّفوا (أو عرّف لهم بعض العلماء) الوطنية كان المعنى يتمحور حول: حبّ الوطن والدفاع عن الأرض، وهذا مقبول في الإسلام (بل يحثّ عليه) ، ولذلك لا حاجة للقول بأننا نرفض الوطنية إنما نرفض المذمومة منها.

ويكفي في الردّ على هذا القول هو بيان مرادي من كتابة ما كتبتُ حول الوطنية؛ وهو نقد"الواقع"المنحرف في المجتمع وتقويمه، سواء كان في التصوّر أو في الممارسة. ولم يكن كلّ همّي نقد ما في بطون الكتب، أو ما في عقول المفكرين طالما كان هذا الكلام غير موجود في تصورات الناس أو في سلوكهم بشكل عام! وحقيقة الواقع أن الوطنية متأصّلة في حسّ الناس بالمعاني التي ذكرتها، وهي في الأساس: جعلها رابطة انتماء وهوية، وشعورهم بواجب وطني مشترك غير الواجب الإسلامي، أي وجود مصدرية أخرى للقيم إلى جانب الإسلام. وليس معناها عند الناس هو حب الأرض والدفاع عنها فحسب! ولذلك كان من الطبيعي رفض هذا المذهب بعد بيان مخالفته للمنهج الإسلامي طالما كان الموافق للإسلام فيه هو من"التوابع"وليس من"أصوله"، فأصل نشأته أنه رابطة انتماء وهوية تقتضي واجبات معينة، وأصل وفوده إلى بلاد المسلمين هو بهذا المعنى، ثمّ تبع هذا كله (وهذا طبيعي) حبّ الوطن والدفاع عنه، طالما كان هذا الوطن محور الانتماء والولاء. بهذه الصورة نعرض الموضوع، لا ببتر معانيه الأصيلة وأخذ المعاني التابعة الموافقة للإسلام

(1) هكذا بالقوّة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت