(في الشكل وليس في المنطلق) وجعل الوطنية - بناء على ذلك - لا تخالف الإسلام، بل من مقتضياته!
وحتى حينما ننظر إلى بعض الناس ممّن ينادي بالوطنية، وممّن يُفترض أن تكون الوطنية في حسّهم مجرد حبّ الوطن والدفاع عنه حسب ما يعرضونه من أقوال لشخصيات علمية! حين ننظر إلى تصوراتهم وممارساتهم نجد أن الوطنية بمعناها المخالف للإسلام متغلغلة إلى حدّ كبير! فواقع الدفاع عن الوطنية كان مختلفا عن واقع الممارسة لها! وهذا هو محكّ القضية، فنلاحظ أن الوطنية غدت عند الكثير من هؤلاء (إلا من رحم ربّك) هوية وانتماء، مع أن الأصل أن تكون الهوية"إسلامية"فحسب؛ فليس هناك هوية"وطنية"أو"فلسطينية"كما يقول الكثير من الدعاة، فمفهوم الهوية يدور حول القيم التي تميّز الفرد أو المجموعة وتصبغ السلوك، وهي محور استقطاب للفرد والجماعة حول قيم معينة [1] ، فيظهر فيها معنيان أساسيان لا يمكن أن ينسبان بحال إلى الوطن أو الأرض أو القوم:
1)القيم التي تصبغ السلوك.
2)الانتماء والولاء.
فلا يجوز أن يتخّذ المسلم قيمًا تحدّد سلوكه - طاعة لله - إلا من مصدرية الإسلام [2] ، ولا يجوز للمسلم أن يوالي وينتمي للبشر على أساس أوطانهم، إنما يوالي وينتمي على أساس الإسلام والإيمان كما بيّنا سابقًا.
ونلاحظ أيضا أن النزعة الوطنية أدّت عند هؤلاء وغيرهم إلى حَرْفِ الكثير من قضايا المسلمين عن منطلقها الأصليّ؛ وهو المنطلق العقدي؛ أنها قضايا إسلامية وليست قضايا وطنية، وأصبحت - خلافا لذلك - قضايا وطنية بحتة، خاصة بالشعب الساكن في هذه الدولة أو تلك في الأساس، وليست - كما هو أصلها - قضايا خاصة بكلّ مسلم على وجه المعمورة.
ظهر لنا إذًا بأن المنادين بوطنية"مقبولة"موافقة للإسلام ومن مقتضياته هم أنفسهم من تكون وطنيّته مصدرا لمخالفات شرعية، متمثّلة بجعل الوطن هوية تحدّد الانتماء وبعض القيم التي تصبغ السلوك، وبحَرْفِ بعض قضايا المسلمين عن منطلقها الأصلي، وجعلها قضايا غاصب ومغصوب فحسب، وإسبال الشرعية على تقسيمات الغرب المحتلّ وحدوده في بلاد المسلمين، باتخاذ تلك المساحات المقسمة"أوطانا"تنعقد المحبة عليها بشكل خاص أكثر من غيرها، دون وجود مبرّر موضوعيّ أو شرعي! فما يتصورونه عن الوطنية في حال الدفاع عنها أمام من يرفضها ليس هو الأمر الموجود في حقيقة الواقع، وقد كان نقدُنا للوطنية بناء على حقيقة تصوّرها وممارستها عند المسلمين، لا بناء على تصورات بعض"المفكرين"و"العلماء"مع احترامنا وتقديرنا لهم.
* شبهة أخرى:
أتى بعض الطيّبين بحجةٍ تحملُ وجاهة لأول وهلة، ولكن سرعان ما يتبيّن أصل المغالطة - غير المقصودة - فيها، فقد
(1) راجع الفصل الأول.
(2) وهذا غير الأشكال المدنية والعلوم التطبيقية البحتة.