الصفحة 7 من 92

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ اللهُ فلا مضلّ له، ومن يُضْلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الله، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله.

وبعدُ:

فإنّ تحديد هويّة الإنسان وانتمائه مسألةٌ على غاية من الأهمية في واقعنا الراهن؛ فالهويّة عنصر أساسيّ في بناء الحضارات ونهضة الأمم، إذ تشكّل المنطلق لفهم موقع الإنسان ودوره في هذا العالم وفي المجتمع الإنساني. فحين يحدّد الإنسان هويّته فهو بذلك قد حدّد"غايته"في هذه الحياة، و"المنهج"الذي يضبط أفكاره وحركته بناء على ما تتضمّنه هذه الهوية، وتصوّرَ"الأمّة"التي ينتمي إليها ويعيش قضاياها ويتفاعل معها. فالحديث عن الهوية ليس مجرّد حديث نظري لا رصيد له في الواقع، وإنما هو حديث تشتدّ الحاجة إليه في مرحلة"الغثائية"والضعف والضياع والمهانة والانحطاط والتخلف التي تمرّ بها الأمة الإسلامية، وتتكالب عليها الأمم من كلّ حدبٍ وصوب، والتي شاعت فيها أوضاع الفرقة والتشرذم، والعودة إلى النعرات الجاهلية المنهيّ عنها كالتجمّع والانتماء والتعصّب على أساس"القومية"أو"الوطن"، حتى صارت هذه الروابط التي ترسّبت في عقول أبناء الأمة كأحد أهمّ آثار الغزو العسكري والفكري للأمة، حتى صارت هي روابط الانتماء الأصلية، وأما"الهوية الإسلامية"فهي مجرد رابطة جامعة أقرب ما تكون إلى"الرمزية"! فتفقد رصيدها الواقعيّ الحقيقيّ في ساحة الأحداث الكبرى التي تمرّ بها الأمة.

وانطلاقا من ضرورة تنقية مفهوم الهوية من الغبش الذي التصق به لأسباب مختلفة، وضرورة تحديد المفهوم الشرعيّ الخالص له والالتزام بهذا المفهوم للنجاة في الآخرة، كان هذا البحث الموجز بعنوان:"الهوية والشرعية: دراسة في التأصيل الإسلامي لمفهوم الهوية ورفع الالتباسات عنها"ورقة إسلامية خالصة، لا أبتغي منها إلا مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتحريكَ العقول المرهفة المخلصة حتى تحدّد موقفها الشرعي من هذه القضية.

وموضوع هذا البحث وغايته التي يهدف إليها هي تجلية مفهوم"الهوية"في الإسلام، ورفع الالتباسات التي حدثت بين هذا المفهوم وبين الهويّات الدخيلة في عصور التأخر والانحطاط الأخيرة التي مرّت بها الأمة الإسلامية، انطلاقا من اليقين الراسخ بأن أولى خطوات إحياء هذه الأمة وإعادتها إلى مكانتها اللائقة بها تبدأ من هنا؛ من إحياء الهوية الإسلامية وتنقيتها من عوامل الغبش التي رانت عليها، والتي أدّت إلى انحسار فاعليّتها في حياة المسلمين، كمحور استقطاب قيميّ، يوحّدهم ويجمع شملهم، وكعنصر هامّ يعرّفهم بحقيقتهم وبأهدافهم في هذه الحياة، ويردّهم إلى"المعايير"الصحيحة التي تحكم حياتهم. أقول: انحسرت فاعلية"الهوية الإسلامية"بفعل عوامل الغبش التي سوف نفصّلها في ثنايا الكتاب- بإذن الله - ونبيّن حقيقتها ونفنّدها، فغدت على أحسن الأحوال عند الكثيرين مجرد شعار يُتنادى به، والتصورات منحرفة عنه، والسلوك مغاير لمقتضياته!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت