الصفحة 18 من 92

بالإضافة إلى ما ذكرناه في الفصل السابق من نصوص شرعيّة تبيّن معاني الهوية الإسلامية بشكل حاسم، فسوف نذكر في هذا الفصل بعض معاني الهويّة الإسلامية التي وردت في نصوص أخرى في كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم؛ تأكيدًا لها وتأصيلا في عقول المسلمين وقلوبهم. وقد اقتبسنا كثيرا من تفسير"في ظلال القرآن"للأستاذ سيّد قطب رحمه الله؛ لِما فيه من روعة في العرض، وما عند صاحبه من اهتمام بموضوع الهوية الإسلامية [1] .

هناك صيغة من صيغ الخطاب القرآني المتوجّه للمسلمين كثيرة الانتشار في آيات كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي قوله تعالى في مطالع آيات كثيرة:"يا أيّها الذين آمنوا"، وهي تتكرّر في كتاب الله أكثر من ثمانين مرة. واللافت في هذه الصيغة أنّ الخطاب الربّاني للمسلمين لم يتوجّه إليهم إلا بهوية جماعية واحدة محورها"الإيمان (يا أيّها الذين آمنوا) ، فهو يخاطبهم بوصفهم الأمّة المؤمنة في الأرض، وليس بأوصافهم القومية ولا الوطنية! وهذه الصيغة المتكرّرة في الخطاب القرآني من آصلِ المعاني التي تؤكّد سطوع وهج الهوية الجماعية الإسلامية في كتاب الله تعالى. وحتّى حين خاطب الله سبحانه في كتابه"الناس"جميعا دون اختصاص المسلمين بالخطاب، فقد كان الخطاب موجِّها إيّاهم إلى حقيقة واحدة هي أصل هذا الدين، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، والقارئ للآيات التي تبدأ بالمطلع"يا أيّها الناس"يلاحظ دوران معاني هذه الآيات حول هذه الحقيقة الكبرى؛ العبوديّة لله وحده دون شريك. والمعجر أنّ الآية الأولى التي وردت بهذه الصيغة في ترتيب المصحف كانت توجيها مباشرًا إلى هذه الحقيقة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 21) . فمعاني الهويّة الإسلامية حاضرة بقوّة في الخطاب القرآني حتى في دلالة النصوص التي لا توجّه إلى هذه المعاني بشكل مباشر."

يقول تعالى في كتابه العزيز: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج: 78) .

والدّلالة هنا أن التسمية لها منزلة هامّة لدى المسلم، فالله سبحانه هو من سمّانا"المسلمين"، وهو أرفع اسم وأغلى وصف يمكن أن يحمله بشر! لا تلك المسمّيات والأوصاف التي لم ينزل الله بها من سلطان، والتي تكون على اعتبارات الجنس أو الأرض! والدلالة الأخرى أنّ الاعتصام يكون بالله، والله هو مولى المؤمنين، لا الوطن ولا القومية ينبغي أن تأخذ هذه المعاني في حسّ المسلم. بل نعتصم بالله عزّ وجلّ، وهو مولانا سبحانه، فنعم المولى .. ونعم النّصير!

(1) يستخدم الأستاذ سيد قطب مصطلح"الجنسية"في نفس معنى الهوية الذي نطرحه في هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت