حديثنا في هذا الفصل يدور حول محورين أساسيّين:
-المحور الأول: العوامل الداخلية التي أدّت إلى ضعف الهوية الإسلامية بين أبناء الأمة.
-المحور الثاني: العوامل الخارجية التي أدّت إلى انحراف مفهوم الهوية والتباسه بغيره من المفاهيم الدخيلة.
* العوامل الداخلية:
حينما أقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دولة الإسلام في المدينة المنوّرة كان حريصا أشدّ الحرص على إشراك الأمة الإسلامية في الشؤون والسياسات العامة واتخاذ القرارات، فكان نظامه - عليه الصلاة والسلام - نظام"مشاركة"إن صحّ التعبير، نظامًا تلتحم فيه شرائح الأمة بمختلف مستوياتها مع الحاكم وأجهزة الحكم لتشارك في صنع القرار وإدارة الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واستمر هذا الوضع الشرعي في الخلافة الراشدة.
وكانت المشاركة تتحقّق في تلك العهود المنيرة عن طريق الشورى الملزمة لأهل الحل والعقد ولأهل النظر والاجتهاد. وكانت الأطر المختلفة في الدولة الإسلامية تندمج في الشأن العام للأمة، والسيرة مليئة بالحوادث التي تبرز لنا طبيعة المشاركة ودورها في إحداث التلاحم بين الحاكم والأمة، وكذلك الأمر سِيَرُ الخلفاء الراشدين [1] .
فالأصل أن تتحقَّق مشاركةُ الأمَّة في النِّظام الإسلامي عن طريقِ الشورى الملزِمة لأهلِ الحَلِّ والعَقد، ويكون دورهم تحقيقَ مصالح الأمَّة بمختلف الطُّرق؛ سواء كان ذلك بممارساتِ الحِسبة أو الشورى أو العَزل، أو غيرها مما يُحقِّق مصالح الأمَّة، ويَضمن حقوقَها في إقامةِ شَرْع الله والعدْل مِن قِبل الحاكم، وتتحقَّق كذلك عن طريقِ الشورى الملزِمة لأهل النَّظر والاجتهاد فيما ليس فيه نصٌّ ولا إجماع. ولكن هذا الأصل الذي تحقق في دولة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفي الخلافة الراشدة بمستوى رائع لا مثيل له في التاريخ لم يكن ليستمرّ طويلا على هذا المستوى الرائع، بل انحسرت مشاركة الأمة في الحكم في عهد الملك العضوض بعد الخلافة الراشدة، وكانت أهمّ أسباب انحسار هذه المشاركة بفاعليّتها الشرعية هي:
-الاستبداد: الذي صبغ بدرجات متفاوتة هذه العهود من الحكم الإسلامي من قبل بعض الحكام والولاة، ولئن كان الأمر غير عام على كل تلك العهود كما يروّج المستشرقون والعلمانيّون حتى يقولوا إن الحكم الإسلامي كان ظالما كله وينبغي إذن نبذ فكرة إعادته وتطبيقه [2] ! ولكن المقدار الذي حدث منه كان كافيا في زحزحة قضية مشاركة الأمة
(1) لقراءة بعض الأمثلة من السيرة راجع كتاب"الطريق إلى الجنة"فصل"الإسلام: هوية تجمع الأمة"لفضيلة الشيخ عبد المجيد الشاذلي.
(2) يغفل العلمانيون أو يتغافلون أن الحكم الإسلامي في عهوده الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية كان أكثر عدلا بدرجات كبيرة من عهود الحكم العلماني التي لا زالت تظلل الكثير من بلدان العالم الإسلامي ولا زالت جرائمها الوحشية تنضخ على مرأى من العالم ومسمع! ومتغافلين في الوقت ذاته أنها كانت نظما تنتمي إلى هوية الأمة الإسلامية، وليست منبتة الصلة عنها كما هو الحال في الأنظمة العلمانية! ومتغافلين ثالثا عن العزة والكرامة والقوة والريادة التي سادت تلك العهود على ما فيها، في مقابل التخلف والتبعية والذل والضعف المهين الذي ساد ولازال في عهود الحكم العلماني!