سنتحدّث في هذا الفصل باختصار عن أهمّ خصائص الهويّة الإسلامية، والهدف من تبيان خصائص الهوية الإسلامية التي تميّزها عن غيرها هو لفت الأنظار إلى تلك الهوّة الكبيرة التي تفصل بين الهويّة الإسلامية وبين الهويّات الدخيلة الأخرى؛ حيث تبدو هذه الهويّات قزمة هزيلة وهي ترتع في المستنقع الآسن، وحيث تقف الهويّة الإسلاميّة شامخة سامقة في المرتقى السامي!
هويّة ربّانيّة:
"صِبغة الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدون؟ (البقرة: 138) ."
الخصيصة الأولى التي تتميّز بها الهويّة الإسلامية، والتي تعطيها قيمتها العليا ورصيدها الأسمى هي أنّها هويّة"ربّانيّة"؛ بمعنى: أنّ الله -سبحانه وتعالى- هو الذي حدّدها لتكون رابطة التجمّع والانتماء للبشر. وقد توضّح هذا المعنى في الفصول السابقة حتى لم يعد لدى المنصف شكّ بأنّ الله -عزّ وجلّ- لم يُجِزْ للمسلمين بأن يتجمّعوا على رابطة انتماء سوى الإسلام. وحين يقرّر الله سبحانه في كتابه شيئًا لا يكون للبشر مجال لاختيار آخر، والهويّة والانتماء معانٍ حدّدها الله - سبحانه - في كتابه العزيز، فهي جزء من منهج حياتهم ينبغي لهم أن يتّبعوا شرع الله في تحديده؛ لأنّ البشر مهما أجهدوا أنفسهم في التفكير لن يستطيعوا تحديد منهج الحياة الأصلح لهم؛"لأنّ وضع"منهج"صالح للحياة البشريّة يحتاج إلى جملة أمور يقصر عنها العلم البشريّ:"
أولًا: يحتاج إلى معرفة حقيقيّة كاملة بالكيان البشريّ ذاته. والإنسان - على الرغم من كل العلم الماديّ الذي عرفه - ما يزال شديد الجهل بكيانه الذاتي (كما تؤكّد الأبحاث العلمية التي تجري على الإنسان) ، وهو لذلك شديد الجهل بما يصلحه وما يصلح له.
ثانيًا: يحتاج إلى إحاطة كاملة بماضي الجنس البشريّ وحاضره ومستقبله، والتجارب التي خاضها وأسبابها ونتائجها. وهذا يستحيل استحالة كاملة على الإنسان؛ لأنّ كثيرًا من أحداث الماضي مجهول له، وهو عاجز عن الإحاطة بكل أحداث الحاضر الذي يعيشه، أما المستقبل فهو غيب موصد أمامه لا يستطيع الاطلاع عليه.
ثالثًا: يحتاج إلى أن يكون واضع المنهج غير متحيّز، لا مصلحة له في أمر من الأمور، ولا هوى ولا شهوات. وهذا أمر لا يتوفّر أصلًا في الإنسان، الذي ينجذب دائمًا إلى مصلحته الذاتية (كما يراها من وجهة نظره وكثيرًا ما تكون خاطئة) وتحركه دائمًا الأهواء والشهوات ما لم يلتزم بأمر الله: {إنّ الإنسان خُلِقَ هلوعًا * إذا مسّهُ الشرّ جزوعًا * وإذا مسّهُ الخيرُ منوعًا * إلا المصلّين} (المعارج: 19 - 22) .
رابعًا: ويحتاج واضع المنهج إلى علم كامل بمن يطيعه في السر العلن، وإلى قدرة تامة على مجازاة من يطيع ومعاقبة من يعصي حتى يكون المنهج محترمًا ومطبّقًا، وهذه الأوصاف لا تتوافر في الجنس البشري، فالإنسان لا يرى إلا في حدود ما تبصر عيناه، ولا يسمع إلا في حدود ما يبلغ سمعه. أمّا الله عزّ وجل فإنّه يعلم جميع ما يفعله الإنسان من خير وشر، ...