قال تعالى: {ألم تر أنّ الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إنّ الله بكل شيء عليم} (المجادلة:7) . والله عز وجل قادر على أن يجازي من أطاعه ويعاقب من عصاه على الدقيق والجليل، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرّة خيرًا يَرَه * ومن يعمل مثقال ذرّة شرًا يَرَه} (الزلزلة: 7 - 8) .
ومن ثمّ فإن المنهج الصالح لا يمكن أن يأتي إلا من مصدر واحد هو الله تعالى. فالله هو الذي يعلم حقيقة الإنسان لأنّه هو الذي خلقه سبحانه: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (الملك: 14) . والله هو الذي يعلم كلّ شيء في حياة البشر -وفي الكون كلّه- علم إحاطة واطلاع: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور} (سبأ: 2) . {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} (سبأ: 3) .
والله هو الذي شرع التشريع الحكيم لأنّه هو الغنيّ القادر، وليس محتاجًا إلى شيء مما عند الناس وهو الواهب لهم كل شيء، وهو الذي لا يزيد في ملكه أن يكون الناس كلّهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص في ملكه أن يكونوا على قلب أفجر رجل منهم كما يقول الحديث القدسي.
والهداية الربانية التي تشتمل على المنهج الصالح لحياة البشر طريقها هو"الوحي"عن طريق الرسل والرسالات. ومن ثمّ تصبح الرسالة حاجة بشرية لا غنى عنها، ولا استقامة لحياة البشر بدونها. {لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد: 25) " [1] ."
ولذلك فلا يستقيم حال البشر إن هم أعرضوا عمّا وضعه الله لهم من منهج يضبط حياتهم، ومن ضمن هذا المنهج قضايا الهويّة والانتماء، فلا ينبغي أن تكون إلا بما يرضي الله عزّ وجل، أي بميزان الإسلام، فهي بذلك"هويّة ربّانية"، تستند أصولها إلى الوحي الإلهي، لا عقول البشر القاصرة.
هويّة إنسانيّة:
والهويّة الإسلاميةّ هي هويّة"إنسانيّة"، بمعنى أنّها الهويّة الوحيدة التي تحقّق إنسانيّة الإنسان؛ لأنّها الوحيدة التي تلائم الإنسان باعتبارها هويّة هذه الفطرة الأصيلة. فالفطرة من خلق الله سبحانه، والهويّة حدّدها الله، فيكون هذا التلاقي المتناسق بين الهويّة والفطرة أجمل تلاق يمكن أن يعرفه إنسان!
إنّ الجهة التي تصنع أيّ جهازٍ أرضيّ هي الأعلم من بين البشر بما يلائم هذا الجهاز من تعليمات التشغيل، ولله المثل الأعلى؛ فالله -سبحانه- خالق الإنسان هو الأعلم بما يحقّق له إنسانيّته. ولنقرأ هذه الفقرات الرائعة للأستاذ محمّد قطب من كتابه"منهج التربية الإسلامية":
"تلتقي مناهج التربية الأرضية على أنّ هدف التربية هو إعداد"المواطن الصالح". وتختلف الأمم بعد ذلك في تصور هذا"
(1) من مقال لي بعنوان"ما بعد الحداثة: من العقل إلى الوحي"، وهو مستفاد من كتاب"ركائز الإيمان"للأستاذ محمد قطب.