المواطن وتحديد صفاته. فقد يكون هو الجندي الشاكي السلاح، المتأهب في كلّ لحظة للوثوب سواء للعدوان أو لردّ العدوان. وقد يكون هو الرجل الطيب المسالم الذي لا يحبّ الاعتداء على أحد، ولا اعتداء أحد عليه. وقد يكون هو الناسك المتعبّد الذي يهجر الحياة الدنيا وينصرف عن صراع الأرض الكريه. وقد يكون هو العاشق لوطنه المجنون بعنصريته. وقد يكون .. وقد يكون .. ولكنها تشترك كلها في شيء واحد، في إعداد"المواطن الصالح".
أمّا الإسلام فلا يحصر نفسه في تلك الحدود الضيقة، ولا يسعى لإعداد"المواطن"الصالح، وإنما يسعى لتحقيق هدف أكبر وأشمل، هو إعداد"الإنسان"الصالح.
الإنسان على إطلاقه، بمعناه الإنساني الشامل. الإنسان بجوهره الكامن في أعماقه. الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو"مواطن"في هذه البقعة من الأرض أو في ذلك المكان.
وذلك معنى أشمل ولا شك من كل مفهوم للتربية عند غير المسلمين.
منذ الخطوة الأولى، في العهد المكّيّ، والمسلمون قلّة قليلة تعدّ بالأفراد. قلّة مطرودة من كلّ حمى إلا حمى الله، محرومة من كل قوة وكل سلطان .. يقرّر القرآن عالمية الدعوة الإسلامية وإنسانيتها، فيقول في سورة مكية من أوائل السور: سورة التكوير: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} .
"لِلْعَالَمِينَ"منذ أوّل خطوة. لا للعرب، ولا لأهل مكّة، ولا لقريش. للعالمين كلّهم في كلّ بقاع الأرض، لا فرق بين أعجميّ وعربيّ في ميزان الله إلا بالتقوى والهدى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .
دعوة لا تعرف حدود الوطن ولا العنصر ولا القبيلة ولا الأسرة. لا تعرف حاجزًا واحدًا من الحواجز المصطنعة التي يقيمها الناس لأنفسهم في الأرض، ويتصارعون من داخلها على الغلبة والسلطان.
دعوة لا تقسم الناس طوائف، ولا تقسمهم ألوانًا ولا عناصر. وإنما تنفذ إلى قلوبهم مباشرة، حيث يكمن"الإنسان". الجوهر الفذّ الذي تتكون منه الإنسانية" [1] ."
هويّة كونيّة:
وكما أنّ الهويّة الإسلاميّة هويّة"إنسانيّة"لتناسقها مع الفطرة وتلبيتها لاحتياجاتها، فإنّها كذلك"هويّة كونيّة"؛ فهي هويّة هذا الكون العابد لله عزّ وجل، الكون الذي خلقه الله -سبحانه- وأودعه السنن التي يتحرّك بها في تناسق لا يشوبه اضطراب يختلّ به نظامه:
يقول تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصّلت: 11) ويقول تعالى: {إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النمل: 40) . ويقول تعالى: {وخلق كلّ شيءٍ فقدّرهُ تقديرًا} (الفرقان: 2) .
(1) الأستاذ محمد قطب، منهج التربية الإسلامية.