إنّ هذا الكون لا يعرف إلا دينا واحدًا هو"الإسلام"لله عزّ وجلّ: {أفغير دين الله يبغون؟ وله أسلمَ من في السماوات والأرض طَوْعًا وكَرْهًا وإليه يُرجعون} (آل عمران: 83) . ومن ثمّ فإنّه لا يعرف إلا هويّة واحدة؛ هي"الهويّة الإسلاميّة". وتحقيق الهويّة الإسلاميّة عند الإنسان ينشئ هذا التناسق الفريد بين هويّته وهويّة الكون الذي يعيش فيه، وإلا فهو الفساد الكبير: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (المؤمنون: 71) .
هويّة اختياريّة:
والهويّة الإسلامية هي كذلك"هويّة اختياريّة"، بمعنى: أنّ الإنسان - كلّ إنسان - مخيّر في جعلها هويّته حين يرتضي الإسلام عقيدة ومنهجا في الحياة، بعكس الهويّات الدخيلة"الجبريّة"الأخرى كالقوميّة والوطنيّة والتي لا يختارها الإنسان، وإنّما يتفتّح ذهنه للوعي وهي لاصقة به لا فكاك له منها!
وقد تقدّم معنا في الفصل السابق توضيح هذا المعنى بما لا يحتاج إلى مزيد بيان. ولكنّنا نقول في كلمة موجزة: إنّه لظلمٌ كبيرٌ أن يكون انتماؤنا للناس بحسب صفات ورثوها منذ أن ولدوا أو من بيئتهم التي نشأوا فيها، كأن يكون"الوطن"هو هويّتهم، أو تكون هي"العرق"الذي انحدر منه نسبهم، أو هي"اللغة"التي رضعوها منذ أن كانوا أطفالا من أبويهم. إنها صفات لاصقة بالإنسان لا خيار له فيها، ولذلك لا ينبغي أن يكون لها أيّ اعتبار حين نحدّد انتماءنا للبشر، فالانتماء يجعلنا نفاضل بين الناس ونقدّم بعضهم على بعض؛ فالذي ننتمي إليه هو المقّدم عندنا وهو المحبّب أكثر من غيره ممن لا ننتمي إليه، وهنا يقرّر الإسلام أمام هذه الانتماءات الجبرية الجاهليّة أنّ مواقف الإنسان الاختياريّة من أفكار وأعمال هي التي تحدّد انتماءنا إليه، وأكبر هذه المواقف وأضخمها موقفه من غاية وجوده: هل يكون عابدا لله ملتزما بأوامره؟ أم يكون منتكسًا ومُعرضًا عن عبادته؟ فينتمي المسلمُ للإنسان المسلم الذي يعبد الله وحده ويلتزم بأوامره ونواهيه، ويتبرّأ من الإنسان الكافر الذي أعرض عن عباده الله وتنكّب طريقه. ولكنّه في تعامله مع الناس - كلّ الناس - بغضّ النظر عن انتماءاتهم يتحاكمُ إلى شريعته؛ فتكون أخلاق المسلم المفعمة بالبرّ والقسط والعدل والرحمة والتي عرفتها البشريّة على مدى تاريخ طويل هي التي تصبغ تعامله مع الناس؛ مسلمين كانوا أم كفّارًا. بعكس ما نراه أحيانا من عصبيّة جاهلية وعنصريّة مقيتة في سلوك أصحاب الرايات القوميّة والوطنيّة [1] .
هويّة ثابتة ومتكاملة:
إنّ الهويّات الدخيلة كالقوميّة والوطنيّة هي في الحقيقة هويّات"مبهمة"و"شائهة"، لا تستطيع أن تقوم بما تقوم به الهوية الإسلامية من تأثير عميق على النفس البشرية، ينبع من احتوائها على رصيد كبير وشامل من"القيم"التي تتكامل فيها"المنطلقات"و"الأهداف"و"المعايير"، بينما تفتقر هذه الهويات الدخيلة إلى هذا التكامل في القيم، بل إنها (علميًا) لا تحمل أي رصيد من"القيم"يمكن الإشارة إليه؛ لأنّها هويات"مائعة"لا تنبثق عنها قيمٌ واضحة تحدّد"الأهداف"الإنسانية
(1) أنظر كنموذج لذلك الصراعات الدموية التي تحدث في مباريات كرة القدم، وأبرزها في الآونة الأخيرة الصراع بين المصريين والجزائريين! فإذا كان الأمر كذلك على هذه التفاهات، فكيف هو في عظائم الأمور؟!