الصفحة 68 من 92

حين يطرح المسلم هذا المفهوم الإسلاميّ للهويّة والانتماء، تثور دعوى عريضة من قبل العلمانيّين مفادها أنّ التفرقة بين الناس والانتماء إليهم على أساس الدين هو"طائفيّة"مذمومة؛ لأنّها لا تعمل حساب"الآخر"في الوطن الواحد، ولأنّها تفرّق بين أبناء الوطن الواحد وتجعل منهم طوائف متناحرة كلٌّ يعمل لمصلحته فتضيع بذلك الوحدة الوطنية!

ومع أنّ هذا الكلام لا يضير المسلم ما دام مستمسكا بمقتضيات عقيدته الواضحة الحاسمة، فإنّنا نريد إزالة الغبش الذي تحدثه هذه الدعوى في نفوس بعض"المنهزمين"من أبناء المسلمين؛ حيث تؤثّر فيهم هذه الدعوى والاتهام بالطائفية سلبيّا فيسارعون إلى الالتئام مع"الآخر" [1] في وحدة وطنيّة يكون محور الانتماء والاستقطاب فيها هو"الوطن"الواحد!

وفي حوار أجراه الأستاذ الداعية خبّاب بن مروان الحمد مع المفكّر الإسلامي الأستاذ الدكتور إبراهيم العسعس أجاب الدكتور على السؤال:

-"كثر المنادون بالوحدة الوطنية؛ بغض النظر عن الاختلافات العقدية، ويرى بعض الممفكرين بأنّ هذا لا يخدم مبدأ الوحدة الإسلامية، بل إنه يحقق شيئًا من مراد الأعداء في رغبتهم في قلب المعركة بينهم وبين المسلمين إلى الوحدة الوطنية والقومية لإبعاد الروح الإسلامية؟"

ج: أمَّا أن ينادي المنادون بالوحدة الوطنية فهذا شأنهم، وأمَّا أن تكون مقاصدُهم من وراء هذه الدعوة التخريب والاختراق فهم وما يريدون! لكنَّ الشأن كل الشأن في كيفية تعامل المسلمين مع هذه الدعوة، ومدى وعيهم على مقاصدها، وحنكتهم في استيعابها وهضمها وإدارتها من خلال ما يريدون، لا من خلال خطة الآخر! وبهذا يضمن المسلمون سلامة النتائج أيًا كانت المقاصد. هذا الذي ينبغي أن يكون، ولكن - وللأسف - الكائن من أكثر المسلمين العاملين، وبعضهم له اتجاهات كبيرة لها وزنها، أنهم يتبعون كل ناعق ينادي بمثل هذه الدعوات. والحقيقة أنني وإن كنت لا أتهم النوايا في كثير من الأحيان، إلا أنني أقول: إن حسن القصد في مثل هذه القضايا المصيرية لا تنفع صاحبها، وقد قيل قديما: إن جهنم مليئة بأصحاب النوايا الحسنة.

إنّ أخطر ما في هذه الدعوات أنها تُميِّعُ الطرح الإسلامي، وتُربك الدعاةَ فضلًا عن الأتباع والجماهير. وهي دليل على سذاجة من يتجاوب معها دون وعي، وحسن إدارة. وهي دليل على أننا نجهل أو نتجاهل وجود صراع فكري حامي الوطيس، وأننا نجهل أساليب الآخرين بإدارة هذا الصراع! وهي قبل كل شيء دليل على عدم وضوح ونضوج عالم الأفكار عندنا، ومن كان كذلك فهو سهل الانقياد، ساذج الوعي، ضعيف أمام الصنمية أيًا كان شكلها، ولا عجب فإنه:"إذا غابت الفكرةُ ظهرَ الصنم"!

(1) هو"الكافر"بالاصطلاح الإسلامي الشرعي، بجميع أنواعه: نصرانيا أو وثنيّا أو من أصحاب الفرق المرتدّة عن الإسلام أو ملحدا أو شيوعيّا. ولكنّ بعض الناس يهوون استخدام الكلمة بدلا من كلمة"الكافر"مخافة أن يتم اتهامهم بالتطرّف والطائفيّة! مع أن الكلمة مجرّد توصيف شرعي لغير المسلمين، فالكافر = غير المسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت