الصفحة 67 من 92

للرسول عليه الصلاة والسلام، وبعضهم يستشهد بكلام موضوع مكذوب يجعلونه حديثًا كقولهم:"حبّ الأوطان من الإيمان"! وحتّى لو كان هذا الكلام حديثا، فهل يعني أن"الوطنية"من الإسلام أو الإيمان؟! وقد بيّنّا في السابق أنّ"حبّ الوطن"شيء، و"الوطنية"شيء آخر تماما، فالأوّل نزعة فطريّة لسنا بحاجة إلى استدلال شرعيّ على وجودها، والوطنية مذهب دخيل دلف إلى العالم الإسلامي والعربي عبر الغزو الفكري منذ عهود الاستعمار الفكري والعسكري للعالم الإسلامي.

والحديث الذي يكثر الاستدلال به على الوطنية من بعض الدعاة"مبتورًا"أخرجه ابن حزم في"المحلّى"من رواية أبي هريرة:"قال رسول الله عليه السلام وهو في سوق الجزورة بمكة: والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" (حديث صحيح) . وأخرجه ابن عبد البر في"التمهيد"من رواية ابن عبّاس: "عن ابن عباس، قال: لمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال: أما والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، وأكرمه على الله؛ ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت. (حديث صحيح) . فمعظم من يستدلّ به على شرعيّة النزعة الوطنيّة يورده مبتورا دون إيراد سبب محبّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم لمكّة، وهو أنّ مكّة هي أحبّ بلاد الله إلى الله! وحتّى لو كان سبب تعلّق الرسول عليه الصلاة والسلام بها هو محبّتها لأنّها وطنه الأوّل، فإنّ هذا لا يدلّ على شرعيّة النزعة الوطنية، لما بيّناه سابقًا من أنّ"حبّ الوطن"شيء غير"الوطنية"، وأنّه وإنْ كان من مقتضياتها ولكنّه تابع لها وليس أساسها ومحورها، بل أساسها ومحورها أنّها رابطة ولاء وانتماء على أساس الوطن، وأنّها تفرض واجبات ومحظورات على المواطن. وحبّ الوطن في الأصل نزعة فطريّة عميقة الأصالة، ليست الرابطة الوطنيّة المنحرفة عن منهج الله مختصّة فيه!"

في النهاية أحبّ أن أقول: إنّ تغيير الواقع يبدأ من تغيير المفاهيم المخالفة للإسلام في أنفسنا، لا بإسبال ثوب الشرعية على ما يتقاطع مع الإسلام في"بعض"صفاته ثم يخالفه في الأساس! حتى لو كانت تلك المفاهيم عميقة الجذور وتمتد إلى عشرات السنين (كما هو حال الوطنية) ، فقد واجه الإسلام في مرحلة النبوّة مفاهيم الكفر التي امتدت جذورها إلى قرون، فثقل الواقع لا يعطيه صفة الشرعية، بل هو يُعرَضُ على الشرع ليقرّه أو يرفضه، لا كي يُضفي عليه الشرعية، ولا كي يلتقي معه في منتصف الطريق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت