الصفحة 66 من 92

تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8) . ولكنّ المعاملة بالبرّ شيء، واتخاذهم إخوانا وموالاتهم شيء آخر، فالله سبحانه لم يقل"لا ينهاكم أن تتخذونهم إخوانا"، ولكن أمرنا بالبرّ بهم والقسط إليهم، والبرّ بهم والقسط إليهم لا يقتضيان أيّ نوع من الأخوة أو الموالاة! وكذلك الأمر بالنسبة للمحبّة التي يريد بعض النّاس أن تقتضيها هذه الأخوة الوطنية أو القومية، فقد كان أمر الله واضحا في النهي عن موادّة من حادّ الله ورسوله حتى لو كان من قومنا بل من أهلنا: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة: 22) . ونهى سبحانه عن موالاتهم حتى لو كانوا آباءنا وإخواننا! يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (التوبة: 23) . وقد نهى الله سبحانه عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران: 28) . ومن المعلوم أن الوطن والقوم يحويان أخلاطا شتّى؛ من الكفار والمؤمنين، فكيف يستقيم مع هذا البيان من العليّ الجليل قولُ من يقول بوجود ولاء قومي وولاء وطنيّ؟ ونهى الله سبحانه كذلك عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: 51) . فكيف يستقيم مع هذا البيان الواضح الجليّ قولهم بوجود الولاء الوطني والقومي، ومن المعلوم أنّه قد يكون في قوم المسلم ووطنه يهود أو نصارى؟!

الواقع أنّ هذا الولاء الوطنيّ والقوميّ لا يمكن أن يتواجد في قلب المسلم الفاهم لدينه، ولعلّ الضعف العقديّ الذي شاب مناهج التعليم الديني الكبرى في العالم الإسلامي هو الذي جعل تصوّر قضيّة الولاء والبراء مضطربًا في حسّ الكثير من الناس والدعاة.

قد تبيّن لنا إذن أنّ القول بالأخوة الوطنية أو القومية، واستحضار النصوص القرآنية للاستدلال على هذا القول هو ضرب من محاولة التوفيق بين مسلّمات في الواقع المعاصر، وبين المسلّمات الشرعيّة؛ فالأخوة الوطنية في الواقع المعاصر تقتضي المحبة والولاء والمساواة، وهي في الشريعة الإسلامية لا تقتضي المحبّة والولاء والمساواة، وإنما معيار المحبّة والولاء والمساواة هو"الدين"، فالمؤمن نواليه ونحبّه في الله، حتى لو لم يكن من وطننا ولا من قومنا، والكافر نتبرّا منه (لكفره لا لطبيعته البشرية كإنسان) حتى لو كان من وطننا أو من قومنا، فالقضية في دين الله واضحة أشدّ الوضوح إذا ما عدنا إلى محكمات الشريعة، ويشوبها الانحراف والضبابية فقط حين نلجأ إلى المتشابه من الآيات ونقدّم فهمنا المغلوط لها على المحكمات.

* شبهة رابعة وأخيرة:

ونكتفي في هذا الفصل بإيراد هذه الشبهة الأخيرة؛ حيث يستشهد بعض الدعاة على شرعية"الوطنية"بأحاديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت