الصفحة 65 من 92

"الأخوة القومية"أو"الأخوة الوطنية"المزعومة! وإنّما المعيار كما هو واضح في محكم الآيات معيارُ"الدين".

والمشكلة الكبرى أن يبني الدعاة على هذه الأخوّة القومية أو الوطنية المزعومة"ولاءً"تقتضيه من المسلم! يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في نفس المقال بفقرات تحت عنوان"عند تعارض الولاءات والانتماءات":

"فالإنسان في واقع الأمر ليس له انتماء واحد، فقد تتعدَّد انتماءات الإنسان باعتبارات شتَّى، ولا نجد أيَّ تناقض بينهما."

فالإنسان ينتمي إلى أسرته، وينتمي إلى قريته، وينتمي إلى محافظته، وينتمي إلى قُطره أو وطنه، وينتمي إلى إقليمه، وينتمي إلى قارَّته، وينتمي إلى دينه، وينتمي إلى أمَّته (الكبرى المؤسَّسة على الدين) ، وينتمي إلى الأسرة الإنسانية.

ولا حرج في ذلك ولا ضير، فهذه الانتماءات غير متعارضة ولا متناقضة، بل هي تعبِّر عن حقائق قائمة بالفعل، والعلاقة فيما بينها علاقة الخاص بالعام، والأخصِّ بالأعمِّ، وما بينهما.

إنما تحدث الإشكالية حين يتعارض الانتماء إلى الوطن والولاء له، مع انتماءات وولاءات أخرى يلتزم بها الإنسان.

وذلك مثل: الانتماء إلى الدين والولاء له.

ومثل: الانتماء إلى القوم والولاء لهم.

ومثل: الانتماء إلى البشرية والولاء لها.

فأيُّ هذه الولاءات والانتماءات أولى بالتقديم على غيرها؟ أعني: إذا تعارض الولاء للوطن والولاء للدين، فأيُّهما يقدم، وبأيِّهما نضحِّي؟

الذي يظهر في هذه الحالة: أنه في حالة التعارض بين الدين والوطن، فإن الدين هو المقدَّم، لأن الوطن له بديل، والدين لا بديل له" [1] ."

ومع أنّ الشيخ واضح في تقديم الولاء للإسلام في آخر كلامه، بل لعلّه يقصد معنى آخر في إمكانية وجود ولاءات أخرى لغير الإسلام، ونحن نحسن الظنّ به، ولكنّنا نتوجّه بالنقد إلى الكلام كما هو في المقال، راجين من المولى عزّ وجل أن يكون متبرّأ من أيّ ولاء لغير دين الله عز وجل ونحسبه كذلك. ولكن تكمن المشكلة في كلامه أنّه يقرّ تعدد الانتماءات مع الإقرار"بمقتضيات"لهذه الانتماءات، ويقرّ في كلامه كذلك بوجود"ولاء"على غير أساس الإسلام؛ فهناك الولاء للوطن، والولاء للدين، والولاء للقوم، والولاء للبشرية! والأصل أن الولاء ركن من أركان التوحيد كما بيّنا في الفصل الأوّل، ولا ينبغي أن يكون هذا الولاء عند المسلم إلا في الله، وينصرف للناس بحسب إيمانهم أو كفرهم، يقول تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55) . ولفظ"إنّما"يفيد الحصر، فبيّن أن الولاء لا يجوز أن ينصرف لغير الله ورسوله والمؤمنين، فلا يجوز أن يوالي المسلم قومه لمجرّد رابطة النسب والقوم، ولا أن يوالي المواطنين في بلده لمجرّد أنهم يقطنون في وطنه، وكونه لا يواليهم لا يعني أنّه لا يعاملهم بالبرّ، كما يقول تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن

(1) إشكالية الوطن والوطنية والمواطنة، الدكتور يوسف القرضاوي، من موقع الشيخ على الشبكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت