الصفحة 64 من 92

شُعَيْبًا [الأعراف:85، هود:84، العنكبوت:36] .

فهذا يدلُّنا على أن الأخوة ليست دائما دينية، بل قد تكون وطنية أو قومية، أو غيرها.

وهنا لم يجد المعترض بُدًّا من التسليم، وهل يعارض مسلم دلالة القرآن الكريم؟

وإذا ثبتت الأخوة، فقد ثبت ما تقتضيه وتستلزمه من المحبَّة والمساواة والتضامن، إذ لا معنى للأخوة بغير هذا" [1] ."

والمشكلة في هذا الطرح أنّه يلبّس أخوة"النسب"المذكورة في هذا الآيات بالأخوة الإيمانية التي قال فيها القرآن {إنما المؤمنون إخوة} (الحجرات: 10) . يقول الألوسي في معرض تفسيره لقوله تعالى: {إذ قال لهم أخوهم نوحٌ ألا تتقون} :" (أَخُوهُمْ نُوحٌ) أي نسيبهم كما يقال: يا أخا العرب ويا أخا تميم، وعلى ذلك قوله:"

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا [2]

فهذه أخوة نسب"جبريّة"إن صحّ التعبير، لا تقتضي ما تقتضيه الأخوة الإسلامية من محبّة ومساواة وانتماء، فكيف يستدلّ الدكتور بها حتى يقول في نهاية حديثه:"وإذا ثبتت الأخوة، فقد ثبت ما تقتضيه وتستلزمه من المحبَّة والمساواة والتضامن، إذ لا معنى للأخوة بغير هذا"، من أين أتى الشيخ الدكتور بأنّ الأخوة القومية تقتضي المحبّة والمساواة؟ إنّ آيات محكمة كثيرة في كتاب الله تناقض هذا المعنى الذي توصّل إليه:

يقول تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (الممتحنة: 4) .

فهل يكفي أن يكون قوم سيّدنا إبراهيم عليه السلام"إخوانه"في القومية حتى تقتضي"أخوة النسب"هذه منه محبّتهم والمساواة بينهم وبين المؤمنين؟! لقد قال إبراهيم ومع معه لقومهم: إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ". فلا محبّة ولا ولاء ولا انتماء لهم ما داموا قد كفروا بالله سبحانه وتعالى!"

ثمّ أيّ مساواة تلك تكون بين الناس بناء على الأخوة القومية أو الوطنية؟! لقد بيّن تعالى في كتابه الكريم معيار تقويم الناس، وأنّه لا مساواة بين المؤمن والفاسق، فضلا عن أن تكون هناك مساواة بين المؤمن والكافر! يقول تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّا يَسْتَوُونَ} (السجدة: 18) . ويقول تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} (القلم: 35) . ويقول تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص: 28) . إنّ المعيار في المساواة بين النّاس والمفاضلة بينهم ليس هو كون هؤلاء الناس من قومنا أو من وطننا، ليس هو

(1) إشكالية الوطن والوطنية والمواطنة، الدكتور يوسف القرضاوي، من موقع الشيخ على الشبكة.

(2) تفسير روح المعاني للألوسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت