ليسَ الحديثُ عن الهويّة الإسلامية ترفًا فكريّا، ولا هو مجرّد"تنظير"أبتغي به إضافة جديدة على المكتبة الإسلامية دون أن يكون لها آثار فاعلة في واقع الفرد والجماعة. وإنّما الحديث عن الهوية الإسلامية هو أداء لواجب البلاغ المبين في هذا الموضوع الذي شابه الغبش والانحراف في العهود الأخيرة. وواجب البلاغ لا يغني عن التطبيق نعم، ولكنّ التطبيق لا بدّ له من"مفهوم"يُبنى عليه، ولا بدّ لهذا المفهوم أن يكون"شرعيّا"منبثقا من الكتاب والسنة، وقد اجتهدتُ في هذا الكتاب أن يكون التأصيل لهذا المفهوم إسلاميّا بقدر ما يلمس القارئ الكريم.
والهويّة الإسلامية هي بذاتها أحد مقتضيات الإسلام، وهي في بعدها الفرديّ -كما بيّنا- مصطلح حديث يقصد به الإجابة عن أسئلة الفرد حول هويّته الفردية: من هو؟ وما هي أهدافه؟ وما هو"المعيار"الذي يرجع إليه في أموره؟ وفي بعدها الجماعي هي التعبير عن محور الاستقطاب والانتماء الذي تتجمّع حوله أمّة من الأمم. وبذلك تكون الهويّة الإسلامية ببعديها (الفرديّ والجماعيّ) جزء من مقتضيات الإسلام.
ولا نريد في هذا الفصل استيفاء كلّ ما يمكن أن تقتضيه الهويّة الإسلامية، ولكنّنا نحبّ أن نبيّن أبرز ما تقتضيه في بعدها"الفرديّ"من ناحية، وفي بعدها"الجماعيّ"من ناحية أخرى. وقبل ذلك نقول: إنّ المقتضى الأهمّ لتصحيح مفهوم الهويّة هو أنّها شديدة الصّلة بركن الولاء في عقيدة المسلم، وقد بيّنا هذا في الفصول الأولى من الكتاب فلتراجع، وإنّ تصحيح مفهومها عند المسلم وإزالة الغبار الذي غشّاها والغبش الذي اعتورها مع دخول الهويّات القوميّة والوطنيّة لهو مهمّة عظيمة، فهو يعني تصحيحًا لعقيدة المسلم التي ينبغي أن تكون خالصة صافية لا تشوبها شائبة، وحين ينصرف ولاء المسلم لهذه الأوثان المعاصرة كالوطن أو القوم فإنّه يلقي بنفسه إلى التهلكة في الآخرة! وإنّ النجاة في الآخرة لهي أولى الأولويّات التي يهدف إليها المسلم في حياته. فتصحيح مفهوم الهويّة مرتبط بشكل وثيق بهذا البعد العقديّ وبالقضيّة الكبرى التي هي النجاة في الآخرة، فالحديث عنها له ثقل كبير بالنسبة للمسلم، وينبغي أن يوليها اهتمامًا وجدّية كبيرين في حياته، خصوصا بعد أن انتشر ما يلبّس على المسلمين أمر دينهم في قضيّة الولاء.
والموضوع الأبرز في البعد الفردي للهويّة الإسلامية هو"الأخوة"، والأخوة بين المسلمين قيمة عظيمة الشأن ينبغي أن تظلّ حاضرة في حسّ أفراد هذه الأمة، فغيابها أدّى إلى انتشار الكثير من الأمراض وتفشّيها في النفوس.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"لا تحاسدوا. ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه" [1] .
(1) صحيح مسلم، من رواية أبي هريرة.