و"المعايير"و"المنطلقات"، فالعربيّة عنصر من عناصر الثقافة الإسلامية، أو عرق ينتسب الإنسان إليه، والوطن مكانٌ ينشأ فيه الإنسان ويقيم، والعربية (كعنصر أصيل من عناصر الثقافة الإسلامية) مجرد وعاء للفكر لا ينطوي (وحده) على أيّة مفاهيم أو قيم، وإذا زعمنا له ذلك لم تكن هذه المفاهيم في الحقيقة نابعة من"العربية"كلغة أو قوميّة، وإنما هي من بنات أفكارنا، أو هي إفرازات اجتماعية تتشكل بحسب الواقع نزعم لها أنها"قيم عربية"أو"تقاليد عربية". وفي هذه الحالة المائعة - مع اختلال الموازين - تفتقد هذه الهويّات فاعليّتها في إيجاد التمحور الأصيل الثابت الفاعل في الحفاظ على ثقافة الإنسان ومعاييره وأهدافه في الحياة.
والهوية الإسلامية تنطوي على"منهج"متكامل يحوي في معطياته"المنطلقات"و"الأهداف"و"المعايير"الواضحة الثابتة.
فأما"المنطلقات": فالإنسان الحامل لها قد حدّد موقفه من نفسه قبل تحديد موقفه من غيره: من هو؟ هذا الحسم في الهوية الذاتية هو الذي ينشئ المواقف الفعالة من أي قضيّة من قضايا مصيره ونهضته وحياته الكريمة، ومنها على سبيل المثال قضية"التغريب"الثقافي واللساني.
"الأهداف": فإذا تحدّدت منطلقاته ووضحت، انتقل إلى الإجابة على السؤال: ماذا أريد؟ والمسلم المتشبّع في فهمه وممارسته بدين الله عزّ وجلّ يعلم أن"العبادة"هي الغاية الكبرى لخلقه كما تدلّه نصوص القرآن والسنّة الحاسمة، فيتحرك في مجتمعه يعمّر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ويكون كلّ نشاط له وكل سلوك مسبوق بالسؤال: كيف يكون ذلك النشاط أو هذا السلوك عبادةً لله تعالى؟
"المعايير": ويكون"المنهج الإسلامي"المتمثل بالنصوص القاطعة في الكتاب والسنّة والإجماع، ومعطيات الاجتهاد المنضبط بأصوله هو السبيل لتحقيق هذه العبادة، أي الالتزام بطاعة الله عزّ وجلّ في كلّ الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وفقًا لمنظومة الواجبات والمحرّمات والمندوبات والمكروهات والمباحات.
هويّة أصيلة:
ونختم هذا الفصل بالحديث عن خصيصة أخرى تتميّز بها الهويّة الإسلامية، وهي أنها"هويّة أصيلة"، على اعتبار أنّها الهويّة الوحيدة التي لها هذا العمق الراسخ في تاريخ الأمّة الإسلاميّة، مفهومًا وتطبيقًا. ولم تعرف الأمّة في تاريخها الطويل على مدى ثلاثة عشر قرنًا من الزمان أيّ تجمّع على أساس القوميّة أو على أساس الوطنيّة، وإنّما هي هويّات دخيلة دلفت إلى العالم الإسلامي عبر الغزو العسكري والفكري منذ أن بدأت الدولة العثمانيّة بالانهيار. وهذا الرصيد الضخم من الأصالة والذي تتمتّع به الهويّة الإسلامية لهو عامل قويّ على استعادة هذه الأمّة الإسلاميّة لأمجادها الغائبة، فذكريات المجد والعزّ لا زالت تلوح لأبناء الأمّة، وواجب الوحدة لا زال متمثّلا في الذاكرة الجماعيّة لهم، وأمّا أصحاب الأفكار القوميّة الوطنيّة فرصيدهم من الذاكرة موزّع بين تاريخ التجربة الأوروبيّة مع الكنيسة ونشوء القوميّات هناك، وبين الملابسات النكدة التي أسفرت عن تمزيق العالم الإسلامي وتجزئته إلى أقطار متفرّقة مشرذمة من قبل المحتلّ الكافر! فليهنأوا إذن بهذا الرصيد من التاريخ لهويّاتهم التي يدعون إليها!