الصفحة 36 من 92

يسجّل التاريخ الحديث أن فكرة"الهوية القومية"فكرة غريبة دلفتْ إلى العالم العربي والإسلامي تأثّرًا بالغزو الثقافي الأوروبي، وقد بيّنا في الفصل السابق الصيرورة التاريخية والظروف التي تمخّضتْ عن فكرة"القوميات"، ونشأة الدول على أساس الهوية القومية. وكانت النزعة القومية عبارة عن مواجهة وتصدٍّ لفكرة"الخلافة الإسلامية"التي ناهضها القوميّون الأوائل بل وعملوا على هدمها، كما أنّهم تأثّروا بالقومية التركية التي سبقت القومية العربية.

والطابع الأبرز لفكرة القومية العربية أنه قد واكبها منذ نشأتها خطابٌ بعيد عن الموضوعية وإيجاد الحلول العملية الحقيقيّة لبناء أمة؛ حيث كانت"العواطف"هي صاحبة الدور الأبرز في تسويق هذه الفكرة في كيان الأمة الإسلامية، وأما دورها الموضوعي التطبيقي في بناء أمة لها نظامها الخاص الفريد المنبثق عن مفاهيمها، فكل ذلك كان عائشا في منطقة العدم؛ إذ لا يوجد نظام متكامل ينبثق عن الفكرة القومية! وقد وجدنا أنّ حَمَلَة هذه الفكرة قد أقاموا أنظمة ودولًا تحكم الأمة لا علاقة لها بالفكرة القومية، كالملكيّة والاشتراكية والديمقراطية، فهذه كلها غيرُ مبنية على الفكرة القومية، مما يُظهر قصورها"وإنشائيّتها"على حساب الواقعية التي ينبغي أن تتّسم بها الهوية التي تجمع الأمة، التي ينبغي أن تجيب على أسئلة النهضة وبناء الأمم والحضارات.

وبالعودة إلى تعريفات القومية نجد أنّها تدور حول معنى واحد يشكّل مفهوم"الهوية القومية"، فهي عبارة عن: نزعة وحدويّة تتمحور حول مشتركات من اللغة الواحدة، والأصول العرقية الواحدة، والتاريخ الواحد، والثقافة الواحدة، وهذه المشتركات جميعها تشكّل مفهوم الهوية القومية، بحيث تكون عبارة عن محور استقطاب يجمع أمّة معينة، وفي الحالة التي نعالجها تكون هي"الأمة العربية".

فالقوميّ العربيّ ينتمي إلى لغته العربية، وإلى قوميّته، وإلى تاريخ العرب منذ فجرهم قبل الإسلام مرورا بالعهود الإسلامية المختلفة، وإلى الثقافة الذي نشأت في المنطقة العربية وبين شعوبها العربية، بما تضمّ من عادت وتقاليد وأفكار وآداب، سواء كانت لها أصول إسلامية أم لم تكن. وهو ينتمي إلى كل عربيّ نشأ وجمع بين هذه المشتركات وانتمى إليها، وهؤلاء يشكّلون الأمة العربية، التي هي محور استقطاب لهم؛ فتجمعهم وحدة الأهداف والطموحات، ووحدة الآمال والآلام، ووحدة التاريخ والمستقبل. وهكذا تشكّلت فكرة"الهويّة القومية"كفكرة حديثة لم يكن لها أي وجود في تاريخ العرب قبل دخول الغزو الفكري في العصر الحديث. فقد اجتمعت لدى العرب قبل الإسلام كل مقوّمات التجمّع هذه ولم تتكوّن منهم أمّة لها هوية واحدة تجمعها، ولا كيان سياسي جامع تعرف به، بل كانت النزعات القبلية هي المسيطرة على عوامل الوحدة والافتراق.

وفي هذا الفصل سوف نبيّن كيف لا يمكن أن تكون القومية العربية هي"هوية"المسلم، بجميع مقوّماتها التي تشكّلها، ولنبدأ بالحديث عن اللغة العربية كعنصر من عناصر الهوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت