الصفحة 37 من 92

مكانة اللغة العربية اللائقة بها:

العربيّة عبارة عن"لغة"نتمسّك بها ونحافظ عليها بجهد جهيد؛ لكونها لغة"الدين"الذي نزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والذي توجّب على البشر اتباعه؛ ليكونوا محقّقين لغاية وجودهم الإنساني على هذه الأرض. فالحفاظ عليها حفاظٌ على"فهم"النصّ الشرعي، فهو إذن حفاظٌ على أهمّ نعمة يهتمّ المسلم بها في هذه الحياة؛ نعمة الإسلام؛ منهج الحياة البشرية الذي - عن طريقه وحده - يمكن للإنسان أن يقوم بواجب"العبودية"لله عزّ وجل. قيمة العربية إذن كبيرة وخطيرة لتعلّقها بأكبر قيمة للإنسان على وجه الأرض:"العبودية"، أو بكلمات أخرى"غاية الوجود الإنساني". ولذلك بذل المسلمون منذ ظهور الإسلام الجهودَ الكبيرة في الحفاظ على العربية ورفع مكانتها وتدوين قواعدها وأصولها، وكانت من أعجب ظواهر التاريخ ظاهرة تحوّل شعوب بأكملها للتحدّث بالعربية ونسيان لغاتها الأصلية لارتباط العربية بفهم دين الله عزّ وجل (النص القرآني على وجه الخصوص) وعِظَمِ مكانتها - تبعًا لذلك - في نفوس أبناء هذه الشعوب!

تلك هي مكانة"العربية"اللائقة بها في الواقع التاريخي للأمة الإسلامية، وكما ينبغي لها أن تكون في واقعها المعاصر. والأصل ألا تتجاوز العربية هذه المكانة اللائقة بها؛ أنها ركن أصيلٌ من"الثقافة الإسلامية" [1] وليست"هوية"للأمة ولا تشكّل محور استقطابها، وذلك لأن اللغة - كما هو معروف - وعاء الفكر، ولا يمكن بحال من الأحوال للّغة وحدها أن تشكّل"القيم الفكرية"، إنما تتشكّلُ القيم الفكرية بداخل هذا الوعاء الذي هو اللغة. فالنصّ القرآني - على سبيل المثال - يحوي قيمًا فكريّةً ومعنوية تتشكّل باللغة العربية، ومصدر هذه القيم الفكرية والمعنوية ليس هو اللغة العربية إنما هو"الوحي"، فلا يمكننا أن نزعم بعد ذلك أن اللغة هي مصدر هذه القيم كما هو واضح لكل ذي عقل. وبناء على ذلك لا يمكن أن تكون اللغة هي"الهوية"لأمة من الأمم، لأن الهوية مفهوم يتضمّن"القيم"أو"المفاهيم"التي تشكّل محور استقطاب الأمة وانتماءها، والتي تجيب على الأسئلة: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نحقّق ما نريد؟ والعربية - كلغة - لا تحمل كما أسلفنا - بذاتها - أيّة قيمة يمكن أن تشكّل محور استقطاب الأمة وانتماءها، ولا تملك أن تجيب على هذه الأسئلة الضرورية في الحياة، وقد بيّنا في بداية الفصل كيف أنّ الهويّة القومية العربية لا تملك أن تجيب على أسئلة النهضة، ولا تملك منهجا تطبيقيّا لبناء الأمم والحضارات!

الأصول العرقية .. والتاريخ .. والثقافة:

وكذلك الأمر بالنسبة لمقومات المفهوم القومي الأخرى، وهي: وحدة الأصول العرقية، وحدة التاريخ، وحدة الثقافة. فها هم العرب في جاهليتهم قبل مجيء الإسلام، هل كانت"العربية"أو"العروبة"هوية مشتركة تجمعهم على الرغم من وحدة اللغة والأصول العرقية والتاريخ والأرض والثقافة .. إلخ التاريخ يقول إنهم لم يتجمّعوا تحت انتماء واحد، ولم

(1) راجع - إن شئت -"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"للأستاذ الأديب محمود محمد شاكر، ففيه تفصيل قيّم عن مكانة العربية في الثقافة الإسلامية وفي حضارة المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت