الصفحة 38 من 92

تستقطبْ عقولهم ومشاعرهم مفاهيم واحدة تشكّل منهم أمة ذات هويّة واحدة!

لقد كانوا - بخلاف ذلك - قبائل متناحرة متنابذة تدور بينها الحروب، وتشكل العصبية القبلية - لكل قبيلة - محورَ الاستقطاب والانتماء. وكانت هناك عناصر كثيرة تجمعهم: وحدة اللغة، وحدة الأصول العرقية، وحدة التاريخ، وحدة الأرض، وحدة الثقافة والتراث والتقاليد والمعتقدات، وحدة المصالح .. إلخ ولكنّ أيّا من هذه العناصر لم يكوّن منهم أمة واحدة متماسكة ذات هويّة مشتركة، وكان العنصر الوحيد الذي دخل عليهم ودفعهم إلى تكوين"أمة"تستقطبها مفاهيم موحدة تحدّد انتماءها هو"الإسلام".

تلك حقائق لا يجادل فيها إلا مغالط، فكيف نريد للهوية القومية أن تشكّلَ محورَ الاستقطاب للمسلمين اليوم بعد أن ضعفت فيهم رابطة الوحدة على أساس القومية؟ لقد اختلط العرب بأنساب أخرى، وبلغات أخرى، وبثقافات أخرى، ودخل الإسلام وانصهر بثقافته شعوب كثيرة غير عربية، وتوسّعت الرقعة التي يقطنها المسلمون في أنحاء العالم، بحيث لم يعد هناك مجال للحديث عن قومية واحدة تجمعهم إلا باستثناء معظم المسلمين في أنحاء العالم؛ إذ لا يشكّل المسلمون ذوو اللسان العربي والأصول العربية إلا ما يقارب خمس تعداد المسلمين حول العالم! أيّ إقصاء نمارسه في حقّ معظم المسلمين حول العالم ممّن تجمعنا معهم عقيدة واحدة، وثقافة واحدة (هي الثقافة الإسلامية) ، وصبغة واحدة في الخلق والمعاملات، وأهداف واحدة وطموحات واحدة تنبثق من المنهج الواحد الذي هو الإسلام .. أيّ إقصاء نمارسه في حقّهم إذا نحن اتخذنا"القومية العربية"هويّة لنا، تحدد انتماءنا وأهدافنا وتجمعنا من دون الناس؟ إنّه إقصاء لهؤلاء المسلمين، وهو كذلك تجزئة وتفتيت لوحدة الأمة الإسلامية الواحدة، وتفرّق ذمّه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم [1] وعودة إلى الجاهلية نمارسها بتجمّعنا على أساس القوميّات كما كانت الجاهليات القديمة تثور فيها النعرات القومية ويتجمّع الناس فيها على أساس هذه القوميات ممّا جاء الإسلام لإزالته!

والأمر كذلك أن الهوية القومية - بجميع مكوّناتها - لا تنطوي على مضمون قيميّ واضح ومحدّد يمكن أن نستقي منه المفاهيم والإجابات على الأسئلة الكبرى لبناء الأمم، ولا يمكن أن تحدّد لنا وجهة أو ترسم لنا أهدافًا نتطلّع إليها كأمة، وتلك هي أهم مميزات الهوية الأصيلة والنافعة للأمة والتي تفتقدها الهوية القومية بجميع مكوّناتها.

فاللغة العربية - كما بيّنا - محور اهتمام له حجمه الطبيعي"الموضوعي"الذي يليق به، وينبغي لنا أن نُلبسها ثوبًا على قدّها، لأن إلباسها الثوب الفضفاض يشكّل"أزمة موضوعية"تتمثّل بتحوير مفهومها"كلغة"، بالإضافة إلى افتقادها - بذاتها - إلى"القيم"و"المفاهيم"التي يمكن أن تجعل منها"هويةً"أو"انتماءً"! وكذلك الأمر بالنسبة للأصول العرقية العربية، فهي بحدّ ذاتها وراثة لا تقدّم ولا تؤخّر في قضايا الأمم الكبرى وأهدافها وقيمها، وبناء على ذلك لا يمكن أن

(1) يقول تعالى في سورة آل عمران:"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا"، فنهى المسلمين عن التفرّق، وأمرهم قبل ذلك بالاعتصام بحبل الله الذي هو القرآن كما يقول المفسرون، وبديهي أن الانتماء حسب مفهوم هذه الآية لا يكون إلا للإسلام الذي ينبغي للمسلمين أن يعتصموا ويستمسكوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت