الصفحة 39 من 92

تشكّل مصدرا لمقومات"الهوية"من هذا الباب [1] .

والتاريخ المشترك الذي يتحدّث عنه القوميّون لا يمكن بحال أن يكون عنصرا من عناصر الهوية، فهل مجرد الأحداث التاريخية المشتركة التي عاصرتها أجيال بعد أجيال في المنطقة العربية تشكّل أحد عوامل الوحدة والانتماء؟ إنّ الواقع التاريخيّ ينقض هذا الخبل وينسفه! فالتاريخ يسجّل أن أحداثا كثيرة في المنطقة كانت مشتركة مع شعوب أخرى غير عربية عاشت في المنطقة أو اشتركت بهذه الأحداث، فهل في النظرة القومية بناء على وحدة التاريخ يكون هناك انتماء إلى هذه الشعوب غير العربية؟! بل وإن كثيرا من القادة المسلمين الذين كانوا في مقدّمة التغييرات الكبرى لصالح الإسلام والمسلمين لم يكونوا عربًا؛ كصلاح الدين الكردي، والظاهر بيبرس القبجاقي، وغيرهم .. فهؤلاء من قوميات أخرى غير القومية العربية، وهم مع ذلك حاضرون بقوة في السياق التاريخي للمنطقة! ثم إنّ التاريخ يسجّل كذلك أن صراعات كثيرة دارت بين فريقين كلاهما من العرب! كالحروب التي كانت دائرة بين الأمراء والدويلات التي نشأت في المنطقة في العصور الإسلامية، بل والحروب التي دارت بين العرب في الجاهلية. إنّ التاريخ بحدّ ذاته أحداث تقع، وهو في حقيقته جريانٌ للسنن الربانية على الحياة البشرية [2] ، وجعْله عنصرا من عناصر الوحدة فيه إشكال باعتبار غبش هذا العنصر وصعوبة تحديده، وباعتبار تداخله وتشابكه وتطاوله عبر الأزمان والعصور، واشتراك شعوب أخرى به، فلا يمكن أن يشكّل عنصرا من عناصر هويّة المسلم، فضلا عن الأسباب الشرعية الواضحة التي بيّناها سابقا وسنبيّنها بأدلّة أخرى في نهاية الفصل، والتي تجعل من غير الجائز أن يدخل في هوية المسلم أي عنصر يستقطبه للوحدة والانتماء غير الإسلام.

وأمّا الحديث عن وحدة الثقافة فلا يقلّ ضبابية من الحديث عن وحدة التاريخ؛ فالثقافة المشتركة التي يتبجّح بها القوميّون ما هي بالضبط؟ وما معناها؟ ومن أين نستقيها؟

الواقع التاريخي يسجّل أن المنطقة العربية عجّت بثقافات مختلفة متباينة بل ومتناقضة في بعض الأحيان! فالثقافة الجاهلية التي عاشت في عقول العرب قبل الإسلام مختلفة أشدّ الاختلاف عن الثقافة الإسلامية التي ظلّلتهم وظلّلت المنطقة على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنا، فإلى أيّها ننتمي؟ وكيف ننتمي إلى جميع ما عجّ في المنطقة من ثقافات وهي متباينة مختلفة؟ هل ينتمي الإنسان إلى متناقضات تتنازعه وتشتّت وحدة كيانه؟!

ويحسن بنا في هذا المقام أن نبيّن المفهوم الحقيقي للثقافة، وكيف أن الثقافة الإسلامية التي ظللت المنطقة طوال العهود السابقة هي التي ينبغي أن ينتمي إليها المسلم، وأن"اللغة العربية"جزء أصيل من هذه الثقافة، ولكنّها لا تشكّل وحدها محور انتماء واستقطاب للمسلمين. وننقل هذه الفقرات في الحديث عن الثقافة الإسلامية من رسالة"في الطريق إلى ثقافتنا"للأستاذ الأديب محمود محمد شاكر:

"فإن (الثقافة) ، فاعلم، تكاد تكون سرّا من الأسرار الملثّمة في كل أمّة من الأمم وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغَوْر، معارف كثيرة لا تحصى، متنوّعة أبلغ اللتنوّع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كلّ مجتمع إنسانيّ"

(1) سيأتي الحديث عن"العنصرية"المتمثّلة بجعل الأصول العرقية عنصرا في الهوية.

(2) هذا هو التفسير الإسلامي للتاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت