للإيمان بها أوّلا عن طريق العقل والقلب= ثمّ للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحسّ به ثمّ الانتماء إليها بعقله وقلبه وخياله انتماء يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار، وتحوطه ويحوطها حتى لا يفضي إلى مفاوز الضياع والهلاك. وبين تمام الإدراك الواضح لأسرار (الثقافة) وقصور هذا الإدراك، منازل تلتبس فيها الأمور وتختلط، ومسالك تضلّ فيها العقول والأوهام حتى ترتكس في حمأة الحيرة، بقدر بعدها عن لباب هذه (الثقافة) حقائقها العميقة البعيدة المتشعّبة"."
ويقول في موضع آخر:"ورأس كل (ثقافة) هو (الدين) بمعناه العام، والذي هو فطرة الإنسان، أيّ دين كان = أو ما كان في معنى (الدين) ".
ويقول في موضع ثالث:" (الثقافة) في جوهرها لفظ جامع يقصد بها الدلالة على شيئين أحدهما مبنيّ على الآخر، أي طوران متكاملان:"
الطّور الأوّل: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس (الإنسان) منذ مولده ونشأته الأولى حتى يشارف حدّ الإدراك البيّن، جماعها كلّ ما يتلقّاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلّميه ومؤدّبيه حتى يصبح قادرا على أن يستقلّ بنفسه وبعقله، وتفاصيل ما يتلقّاه الوليد حتى يترعرع أو يراهق، تفوت كلّ حصر بل تعجزه. وهذه الأصول ضرورة لازمة لكل حيّ ناشئ في مجتمع مّا، لكي تكون له (لغة) يبين بها عن نفسه، و (معرفة) تتيح له قسطا من التفكير يعينه على معاشرة من نشأ بينهم من أهله وعشيرته.
إلى أن يقول:"ولأنّ (الإنسان) منذ مولده قد استودع فطرة باطنة بعيدة الغور في أعماقها، توزعه، (أي تلهمه وتحرّكه) ، أن يتوجّه إلى عبادة ربّ يدرك إدراكا مبهما أنّه خالقه وحافظه ومعينه، فهو لذلك سريع الاستجابة لكلّ ما يلبّي حاجة هذه الفطرة الخفيّة الكامنة في أغواره. وكلّ ما يلبّي هذه الحاجة، هو الذي هدى الله عباده أن يسمّوه (الدّين) ، ولا سبيل البتّة إلى أن يكون شيء من ذلك واضحا في عقل الإنسان إلا عن طريق (اللّغة) لا غير، لأن (العقل) لا يستطيع أن يعمل شيئا، فيما نعلم، إلا عن طريق (اللغة) . فالدّين واللّغة، منذ النشأة الأولى، متداخلان تداخلا غير قابل للفصل (يقول في الهامشة: في حياتنا الأدبية الفاسدة، تروج دعوة خبيثة جاهلة لفصل(اللغة) عن (الدين) ، وهذا شيء لا يبشّر إلاّ بمفارقة دين، والدخول في دين آخر يصنعونه لأنفسهم)، ومن أغفل هذه الحقيقة ضلّ الطريق وأوغل في طريق الأوهام. هذا شأن كل البشر على اختلاف مللهم وألوانهم، لا تكاد تجد أمّة من خلق الله ليس لها (دين) بمعناه العام، كتابيّا كان، أو وثنيّا، أو بدعا، (( البدع) ، ليس له كتاب أو وثن معبود). ولذلك، فكل ما يتلقّاه الوليد الناشئ في مجتمع ما، من طريق أبويه وأهله وعشيرته ومعلّميه ومؤدبيه، من (لغة) و (معرفة) = يمتزج امتزاجا واحدا في إناء واحد، ركيزته أو نواته وخميرته دين أبويه ولغتهما، وأبلغهما أثرا هو (الدين) فالوليد في نشأته يكون كل ما هو (لغة) أو (معرفة) أو (دين) متقبلا في نفسه تقبل (الدين) ، أيّ يتلقّاه بالطاعة والتسليم والاعتقاد الجازم بصحته وسلامته، وهذا بيّن جدا إذا أنت دقّقت النظر في الأسلوب الذي يتلقّى به أطفالك عنك ما يسمعونه منك، أو من المعلّم"