الصفحة 41 من 92

من المراحل الأولى من التعليم. ويظلّ حال الناشئ يتدرّج على ذلك، لا يكاد يتفصّى شيء من معارفه من شيء [1] حتى يقارب حدّ الإدراك والإستبانة ولكنه لا يكاد يبلغ هذا الحدّ حتى تكون لغته ومعارفه جميعا قد غمست في (الدين) وسبغت به. وعلى قدر شمول (الدين) لشؤون حياة الإنسان، وعلى قدر ما يحصل من الناشئ، يكون أثره بالغ العمق في لغته التي يفكر بها. وفي معارفه التي ينبني عليها كل ما يوجبه عمل العقل من التفكير والنظر والاستدلال.

إلى أن يقول:"و (ثقافة) كل أمّة وكل (لغة) هي حصيلة أبنائها المثقفين بقدر مشترك من أصول وفروع، كلها مغموس في (الدين) المتلقّى عند النشء. وهو لذلك صاحب السلطان المطلق الخفيّ على اللغة وعلى النفس وعلى العقل جميعا، سلطان لا ينكره إلا من لا يبالي بالتفكّر في المنابع الأول التي تجعل الإنسان ناطقا وعاقلا ومبينا عن نفسه ومستبينا عن غيره. فثقافة كل أمّة مرآة جامعة في حيّزها المحدود كلّ ما تشعّث وتشتّت وتباعد من ثقافة كلّ فرد من ابنائها على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة. وجوهر هذه المرآة هو (اللغة) ، و (اللغة) و (الدين) ، كما أسلفت، متداخلان تداخلا غير قابل للفصل البتّة."

إلى أن يقول:"وهذا باب واسع جدا ليس هذا مكان بيانه، ولكني لا أفارقه حتى أنبّهك لشيء مهم جدّا، هو أن تفصل فصلا حاسما بين ما يسمّى (ثقافة) وبين ما يسمّى اليوم (علما) ، (أعني العلوم البحتة) ، لأنّ لكل منهما طبيعة مباينة للآخر، فالثقافة مقصورة على أمّة واحدة تدين بدين واحد، والعلم مشاع بين خلق الله جميعا، يشتركون فيه اشتراكا واحدا مهما اختلفت الملل والعقائد" [2] .

والذي يهمّنا استخلاصه من كلام الأستاذ محمود شاكر هو أن الثقافة لا يمكن بحال أن تكون ثقافة قومية عربية مجرّدة عن أساسها الذي هو الدين، وإنما اللغة العربية هي شطر أصيل في هذه الثقافة؛ فهي وعاء للفكر، وبدون وجودها لا يمكن أن تكتمل الثقافة، ولكنّها وحدها لا يمكن بحال أن تشكّل ثقافة نسمّيها"ثقافة عربية". فحين نسمّي ثقافتنا"الثقافة العربية"نكون قد حِدْنا عن التوصيف الموضوعي لحقيقة الثقافة، فالعنصر الرئيسي في هذه الثقافة هو"الدين"، ولا يمكن بحال أن يكون الدين منفصلا عن اللغة التي تتشكل فيها الأفكار في ذهن الإنسان، ولذا فالإنسان يستخدم اللغة في الإبانة عمّا في نفسه من نزعات فطريّة ومكتسبات اكتسبها وفهمها أيضا بطريق اللغة، فهي عنصر أصيل في الثقافة لا يمكن تجاهله، ولكنّها تجمع كلّ الأمة الإسلامية، وليس العرب مختصّون بها، لأنّ أساسها ورأس أمرها"الدين"، ولقد بيّن لنا التاريخ كيف دخلت شعوب بأكملها في دين الله ومن ثمّ في اللسان العربي تبعًا لذلك، واقتضاءً لما يوجبه فهم الإسلام من تعلّم العربية وإتقانها. وعرّفَنا التاريخ كيف انتشر اللسان العربيّ مع الإسلام حتى وصل إلى المغرب الأقصى في إفريقيّة! ثم عرّفَنا التاريخ بعد ذلك كيف استقرّ حال انتشار العربية وتوقّف حين توقّف التوسّع الإسلامي على هذه المساحات، حين انحسرت حيويّة الأمة الإسلامية عن واجب الدعوة إلى الله وتعريف الشعوب بالإسلام على منهج الأجيال الأولى التي تلقّت دين الله ناصعًا صافيًا لا تشوبه شائبة. فكان واقع الثقافة الإسلامية دالاّ على أنّ العربية"جزء"من هذه الثقافة يفقد

(1) يتفصّى: أي يتخلّص من هذا المضيق.

(2) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، للأستاذ محمود محمد شاكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت