فاعليّته الحقيقية إن فصلناه عنها، وكان التاريخ دالاّ على هذا الواقع بحسم ووضوح يراه عيانا كلّ من اطلّع على تاريخ هذه الأمّة.
ونقول كذلك: أيّ تحديد لثقافة عربية مشتركة أو تراث عربي مشترك يستقطب العرب ويحّدد لهم انتماءهم وقيمهم وأهدافهم في الحياة يمكن استخلاصه؟ ماذا نأخذ وماذا نترك؟ وكيف تكون الثقافات المتناقضة التي تفاعل معها العرب عبر التاريخ مصدرا للقيم وأهداف الحياة والانتماء والتي تشكّل المكوّنات الحقيقيّة للهوية ومن دونها لا معنى لهويّة مشتركة ندّعيها؟!
والحقيقة أنّ الحديث عن"ثقافة عربية مشتركة"تكون أحد عناصر الهوية المشتركة هو حديثٌ في الخيالات والأحلام والأوهام، وهو أبعد ما يكون عن الواقع؛ الواقع التاريخي من ناحية، وما يبيّنه من استحالة وجود هذه الثقافة الواضحة المحدّدة للقيم الواحدة والأهداف الواحدة عبر تاريخ العرب، وواقع الهوية من ناحية أخرى، باعتبارها محور استقطاب قيميّ يرسم أهداف الفرد والجماعة، ينبغي أن تكون مصدرية القيم فيه واضحة محدّدة لا تشوبها شائبة، ولا تعتورها المتناقضات!
إنّ الثقافة الوحيدة الواضحة الناصعة، الثقافة الأصيلة المحدّدة المعالم التي ظلّلت العرب وغيرهم من الأمم لقرون متطاولة ولا تزال، والتي رفعتهم إلى قمم المجد ورسمت لهم الأهداف الحقيقية التي تليق بالإنسان - كلّ إنسان - هي الثقافة الإسلامية، بما ترتكز عليه من أصول المنهج الإسلامي (الكتاب والسنة) ، وباللغة العربية التي تشكّلت بها غير منفصلة عنها. هذه هي الثقافة الحقيقة بالانتماء، والتي يكون الانتماء إليها جزء من هويّة المسلم التي تميّزه عن غيره، وهويّة الأمة الإسلامية الواحدة؛ فهي التي ترسم ملامح هذه الهوية وأهدافها، وتحدّد قيمها الثابتة، وتصوغ العقل المسلم في منهجيّة واضحة ناصعة، وتصبغ تفكيره وسلوكه ومشاعره في هذه الحياة.
سبب إنساني:
ولسبب إنسانيّ كذلك نرفض أن تكون"القومية"هي الهوية وهي الانتماء. إنها"عنصرية"- أيّ عنصريّة - أن يحدّد الإنسان انتماءه وهويته بناءً على عوامل موروثة لم يكن له فيها اختيار؛ لأن"العنصر"في عرف الخامات الطبيعية تقابله"القومية"في عرف المجتمعات البشرية! فالقومي هو الذي ينتمي إلى عنصره ويفضّله على غيره من العناصر (القوميات) الإنسانية! والواقع أن عناصر الهوية القومية (اللغة، العرق، التاريخ المشترك، الثقافة المشتركة) كلّها عناصر"جبرية"وليست عناصر"اختيارية"؛ أي إنّ الإنسان لا يكون مخيّرًا في تحديد تلك الأشياء، وإنما هي أمور لاصقة بالوراثة لم يكن له فيها خيار. فأيّة عنصرية تلك أن تكون العناصر الجبرية التي لا يد للإنسان فيها ولا اختيار هي التي تحدّد انتماءنا إليه ووحدتنا وتماهينا معه؟! [1]
(1) ينطبق الأمر على نزعة"الوطنية"ولكن المقام هو مقام الحديث عن النزعة القومية العربية.