إنّ تحديد الانتماء والهوية بناءً على"الكيان الجبري" [1] للإنسان هو هبوطٌ إلى حمأة من الطين والحيوانيّة ليس بعده هبوط! فما الفرق بين ذلك وبين ما تجتمع عليه الحيوانات من رابطة القطيع أو سياج الأرض؟!
إنّ الإنسان كائنٌ سامقٌ رفيعٌ كريمٌ يتفرّد عن سائر الكائنات بكيانه"الاختياري"، أي بأنّه حرّ مختار مريدٌ يختار ما شاء من أفكار وأعمال بإذن الله، ومن هنا كان تحديد الهوية والانتماء بناء على"الكيان الاختياري"تحديدٌ يليق بقيمة الإنسان الرفيعة السامقة الكريمة، والكيان الاختياري للإنسان هو عقيدته وسلوكه الذي هو مقتضيات هذه العقيدة، سواء كان هذا السلوك هو أعمال القلوب الباطنة أو أعمال الجوارح الظاهرة.
إنّ إنسانية الإنسان تقتضي أن يكون تقييمنا له وانتماؤنا إليه وفقًا"لاختياراته"الفكرية ومواقفه العملية، لا أن يكون وفقًا لأمور لا يد له فيها ولا اختيار! وبناء على ذلك فالإنسان المؤمن المسلم الخاضع لله في عقيدته وفي سلوكه هو الإنسان الذي ننتمي إليه بكلّ كياننا الاختياري، ونتوجّه إليه بمشاعر القربى ومشاعر الأخوّة والوحدة، لأن قضية"الإسلام"هي القضية الكبرى بالنسبة للإنسان على وجه الأرض، إنها العبودية لله وحده؛ تحقيق غاية الوجود الإنساني. وكونها القيمة الأعلى والأسمى والأكبر للوجود الإنساني تجعلها - بداهةً - القيمة التي تحدّد الانتماء وتحدد الهوية!
إنّ دين الله ليس مجرّد شعور قلبي لا دليل على صحّته تصحبه بعض التوجيهات والأخلاق والشعائر! وليس أمرًا"جبريًّا"نرثه من الآباء والأجداد! تلك الصورة الباهتة البدائية ليست هي دين الله على وجه الإطلاق! إنه منهج الحياة بالنسبة للإنسان، والذي وضعه له هو خالقه، المنهج الذي من دون الإيمان به واتباعه يعطّل الإنسان غاية وجوده على هذه الأرض. والإنسان مع ذلك"مخيّر"في اتباعه أو التنكّب عن ذلك، فهي قضية عظيمة جدًا، بل أعظم قضية يجب أن تشغل بال الإنسان، إذا عرفنا أن هذه الدنيا هي دار اختبار وليست دار قرار، وأن الدار الآخرة هي القرار الأخير لكل البشر، وأنها هي الحياة الحقيقية للبشر، وليست الدنيا مطلوبة لذاتها، تلك المفاهيم هي التي تصحّح الميزان الذي يقوّم به الإنسان قضايا الحياة؛ فالقضايا"الأرضية"المرتبطة بالدنيا وحدها أقل قيمة - من ناحية موضوعية بحتة - من القضايا المرتبطة بالآخرة؛ لأن قيمة الآخرة أكبر من قيمة الدنيا، بل لا مجال للمقارنة، فما بالُنا بالأساس الذي يحدّد موقف الإنسان في عالم الآخرة وهو"العبودية لله وحده"؟
بهذه النظرة ينبغي أن يرى الإنسان - كلّ إنسان - قضية"العبادة"على أنها أهمّ قضية في الوجود: {وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 5) . وأنها قضية"اختيارية": {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (الشمس: 7 - 8) . وهذه العبادة لا يمكن أن تتحقّق خارج دين الله الأخير الذي ارتضاه للبشر؛ لأن العبادة معناها الطاعة، وطاعة الله تكون باتباع منهجه للحياة وهو - في صورته الأخيرة - الإسلام: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} (النساء: 64) ، {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون} (سبأ:
(1) الكيان الجبري للإنسان هو الصفات اللاصقة به والتي ليس له فيها خيار، وعناصر الهوية القومية هي عناصر موروثة، سواء كانت وراثة بيولوجية كالأصول العرقية، أو وراثة جيل عن جيل لا يمكن تغييرها كالتاريخ، أو وراثة يتعلمها الإنسان منذ الصغر ويرثها عن أهله ويستطيع اكتساب غيرها كاللغة والثقافة، واللغة العربية والثقافة التي يسمّونها"عربية"في الحالة القومية موروثات لا خيار للمرء فيها ..