28). والإسلام هو الخضوع لله عزّ وجلّ، وكما يخضع الكونُ كلّه لله عزّ وجلّ بإرادة الله، فكذلك: أليس من الأحرى بهذا الإنسان أن يكون متناسقًا مع حركة الكون بدلا من أن يكون متنافرًا معها؟
ومن هنا فالإسلام تصورٌ فسيحٌ لا يُدخل الإنسان إلى دوائر"جبرية"مغلقة يتعامل من خلالها ويعيش، بل يُطلقه إلى فضاء رحبٍ يشعر فيه المسلم بأنّه في توازن تامّ مع حركة الكون الخاضعة لله حينما يخضع هو لله وينتمي إليه، ويحدد بناء على ذلك انتماءه للناس وفق ما اختاروه هم من انتماء لله بالعبودية له وحده، أو تنكّبٍ عن عبادته وانتماء إلى الأهواء ومشاغل الدنيا. فإن كانوا قد عرفوا وضعهم اللائق بهم بأن يكونوا خاضعين لمنهج الله خالقِهم، حينها يكون هؤلاء باختيارهم النبيل غير المستكبر عن عبادة الله هم الناس الذين ينتمي إليهم المسلم، على اختلاف قومياتهم وأوطانهم، إذ يرتفع المسلم عن كل عامل أرضيّ جبريّ إلى عوامل الاختيار المتمثلة بالعبودية لله عزّ وجلّ وحده!
الهوية القومية والشرعيّة:
يحلو لبعض القوميّن العرب أن يلبس الحقّ بالباطل، وأن يستدعي النصوص الشرعيّة للتدليل على صحّة منهجه وسلامة ما يدعو إليه من قوميّة! فيقول القوميّ: إنّ العربية عنصر أصيل جعله القرآن أساسا في هذا الدين لقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2) . والواقع أن الآية لا تدلّ على كون العربية هويّة للمسلم، أو أنّ الدعوة القوميّة لها أصل شرعيّ، وقد بيّنا فيما سبق مقام العربية في الإسلام؛ فهي جزء أصيل من الثقافة الإسلامية، ولكنّها لا تشكّل بذاتها محور استقطاب وانتماء. والآية التي يستدلّون بها لا تعني اختصاص العرب بهذا الدين كما يريد القوميّون حتى يجعلوا من العربية عنصرا في الهوية! وإنّما تعني نزول كتاب الله عزّ وجلّ باللغة العربية التي هي لغة القوم الذين نزل عليهم هذا القرآن. وهذا الدين قد أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلّم إلى جميع البشر، وليس مختصّا في فئة قومية من دون الناس، وقد قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف: 158) . وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107) . وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (سبأ: 28) .
قد تقدّمَ معنا في الفصل الأول والثاني ما يكفي من أدلة شرعيّة تبيّن لنا مخالفة الهوية القومية لقطعيّات الشرع الحنيف، إذ هي تمسّ بركن من أركان التوحيد، وهو ركن"الولاء"، ولكنّنا نودّ أن نؤكّد هذا المعنى من خلال نصوص شديدة الارتباط بموضوع التجمّع على أساس"القومية"والانتماء للناس بناء عليها.
يقول تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (الممتحنة: 4) .
والسياق واضح أشد الوضوح في أنّ معيار"الانتماء"هو الإيمان، فكونهم من قومهم وأهلهم لم يؤثّر في الانتماء لهم،