بل كانت قضية"الإيمان بالله وحدة"أو"عبادة الله وحده دون شريك"هي معيار الانتماء والولاء والبراء، فقد تبرّؤوا منهم حين عبدوا غير الله، لأنّهم خرجوا من الاتصاف بالإيمان، ذلك أن الإيمان المذكور في الآية هو عبادة الله وحده دون شريك، وهو نفسه الإسلام العام [1] . فأين هم القوميّون العرب"المسلمون"اليوم من هذه المعاني حين يقولون:"إن القومية العربية هي أساس التجمّع والانتماء، بغضّ النظر عن الدين والطائفة والمعتقدات! فالذي يجمعنا ويوحّدنا ويجعلنا أمّة واحدة هو كوننا"عربا"وليست معتقداتنا أساس للتجمّع والانتماء والهوية!"أين هم من معاني الآية الكريمة حين يردّدون مثل هذه الأقوال؟ بل إنّ مَطْلَعَ الآية يعلّمنا أن هذا الموقف"أسوة"لنا، وليست الآية مجرّد سرد تاريخيّ لحكاية سيدنا إبراهيم مع قومه! فعلينا أن نتأسى بهم ونوالي ونعادي على أساس الإسلام، وننتمي للناس ونتآخى معهم على أساس الإسلام، لا على أساس قوميّاتهم ولغاتهم!
ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} (الصف: 14) .
فها هو موقف المسيح عليه السلام وأنصاره من قومه، لقد انقسموا إلى"أنصار"مؤمنين، و"أعداء"كافرين، على أساس موقفهم من الإسلام، والله سبحانه يأمرنا أن نقتدي بموقفهم في ذلك، فرغم أن بني إسرائيل هم قومه فإنّ كونهم على نفس"القومية"لم يشفع لهم حتى ينتمي إليهم ويكوّن أمة على أساس الهوية"القومية"معهم! بل تبرّأ منهم ولم ينتمِ إليهم لمّا رفضوا الإسلام الذي دعاهم إليه، فالموقف من الإسلام هو الذي يحدّد انتماءنا إلى الناس من عدمه، وليس مجرد وجود إنسان يحمل قوميّتي يحتّمُ انتمائي إليه، وأعتباره منّي وأنا منه، بل موقفه العقديّ والعمليّ هو معيار انتمائي إليه من عدمه، وهنا تكمن إنسانية الإنسان!
وفي الحديث الشريف:"يا أيها الناس: ألا إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على أعجميّ ولا لعجميّ على عربيّ ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" (الوادعي، الصحيح المسند، حديث صحيح) .
فمعيار المفاضلة بين الناس بناء على هذا الحديث هو"التقوى"، وليست الأنساب والقوميات والجنسيات هي التي تحدد درجات الناس عندنا، ولا هي التي تحدد انتماءنا إليهم. ومن جميل ما ورد في هذا الحديث هو قوله صلّى الله عليه وسلّم:"وإن أباكم واحد"، فهو يردّهم إلى أصلهم الإنساني الواحد، ولا تتحقّق إنسانيّتهم إلا بأن يكون الكيان الاختياري للإنسان هو معيار التعامل مع الناس والمفاضلة بينهم والانتماء إليهم!
وفي هذا القدر من النصوص كفاية لمريد الحقّ، بالإضافة إلى ما قدّمناه في الفصول السابقة ..
وفي هذا القدر كفاية لبيان زيف الدعوة إلى الهوية القومية، والاجتماع على أساس العروبة، لِما تحمله هذه الدعوة من
(1) اقرأ - إن شئت - كتاب"أصل الدين عند الأئمة وسلف الأمة"لفضيلة الشيخ عبد المجيد بن يوسف الشاذلي.