هذه هي علامات الأخوة الحقيقيّة؛ فلا يحسد المسلم أخاه المسلم، ولا يتناجش معه، ولا يبغضه، ولا يتدابر معه، ولا يبيع على بيعه، ولا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. فلا يكفي التغنّي بالأخوة الواحدة والهويّة الواحدة، وإنّما لهذه الأخوة في الله مقتضيات واقعيّة ثقيلة على النفس ينبغي أن يربّي المسلم نفسه على أدائها على الوجه المطلوب.
يقول الأستاذ محمّد قطب في كتابه"واقعنا المعاصر"في فقرات تحت عنوان"تحقيق معنى الأمة بمعناه الحقيقي"مبيّنا نماذج من التطبيق الحقيقي لمعاني الأخوة في الجيل الأوّل من المسلمين:
"كان الصحابة رضوان الله عليهم يسير الاثنان منهم في الطريق فتفصل بينهما أثناء المسير شجرة فيعودان فيسلم أحدهما على الآخر شوقا إليه من تلك اللحظة التى فصلت بينهما في الطريق!"
وبكى أحد الصحابة حزنا لأنه فكر في فراق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الدار الآخرة وهو لا يطيق فراقه في الدنيا، فأنزل الله قوله فيه: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء 4/ 69] .
ولما هاجر الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة آخى بين الأوس والخزرج، فذاب ما بينهما من نزاع وصراع استمر ذلك المدى من الزمن الذى لا يعلمه إلا الله، وصار بينهما ذلك التآلف والإخاء الذى منّ الله به عليهم: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا} [سورة آل 3/ 103] .
ثم آخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة العجيبة الفريدة في التاريخ؛ حيث كان الأنصار يتنازلون عن شطر ما يملكون للمهاجرين عن طيب خاطر، وعن غير إلزام ألزمهم به الله ولا رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ويؤثرونهم أحيانا على أنفسهم حتى أنزل الله فيهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر 59/ 9] .
إنّه ذلك الحبّ الذى ينشئه رباط العقيدة، ولا يملك رباط آخر أن ينشئه على هذا النحو الوثيق العميق الشفيف الذى يصل إلى درجة الالتحام؛ لأنه لا يصطدم بالسياج الزائف الذى تقيمه"الأنا"حول ذاتها في جاهليات البشرية.
ولم تكن تلك المؤاخاة طبقية تقوم بين"شريف"و"شريف"، ولا مؤاخاة قومية أو عرقية تقوم بالضرورة بين عربىّ وعربىّ .. إنما كانت مؤاخاة بين"مسلم"و"مسلم"بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو الوضع الاجتماعى؛ لأنها الأخوّة التى قال الله عنها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخوة} [سورة الحجرات 49/ 10] . تربط القلوب برباط الإيمان بصرف النظر عن كل رباط آخر.
فقد آخى الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين عمّه حمزة ومولاه زيد، وبين أبى بكر وخارجة بن زيد، وبين ابن رواحة الخثعميّ وبلال بن رباح .. والتقى في بوتقة العقيدة التي صهرت كل فوارق الجنس واللون واللغة بلالُ الحبشى، وصهيبُ الرومى، وسلمان الفارسى، مع أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وسائر الصحابة رضوان الله عليهم. بل قال رسول الله صلّى