الصفحة 85 من 92

الله عليه وسلّم:"سلمان منا آل البيت" [1] . وقال عمر رضى الله عنه عن أبي بكر وبلال رضي الله عنهما:"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا" [2] .

ويقول الأستاذ محمّد قطب في نفس الكتاب في حديث رائع عن معاني الأخوة الإسلامية في أوقات الشدّة:

"يقول سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [سورة الحجرات 49/ 10] ."

والأخوّة من أجمل"المعاني"التي يمكن أن يتحدّث عنها الإنسان! شفيفة لطيفة كالنور! نديّة محبّبة إلى القلوب. ولكن ما"الأخوّة"التي وردت الإشارة إليها في كتاب الله؟

يستطيع اثنان من البشر وهما يسيران في الطريق الواسع -في الأمن والسلامة- أن يتآخيا! أن يسيرا معًا وقد لفّ كلٌّ منهما ذراعه حول أخيه من الحبّ.

ولكن انظر إليهما وقد ضاق الطريق، فلا يتّسع إلا لواحد منهما يسير وراء الآخر. فمن أقدّم؟ أقدم نفسي أم أقدم أخي وأتبعه؟

أم انظر إلى الطريق قد ضاق أكثر. فلم يعد يتّسع إلا لواحد فقط دون الآخر!

إنها فرصة واحدة .. إمّا لي وإمّا لأخي .. فمن أقدّم؟ أقول: هذه فرصتي، وليبحث هو لنفسه عن فرصة؟ أم أقول لأخي: خذ هذه الفرصة أنت، وأنا أبحث لنفسي؟!

هذا هو"المحك".

إنّ الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلّف شيئًا! ولا تتعارض مع رغائب النفس. بل هي ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى الإنسان لتحقيقها مقابل الراحة النفسية التي يجدها في تحققها.

أمّا في الشدّة -أو في الطمع- فهنا تختبر الأخوة الاختبار الحق، الذي يتميّز فيه الإيثار والحبّ للآخرين، من الأثرة وحبّ الذات، التي قد تخفى على صاحبها نفسه في السلام والأمن، فيظنّ نفسه"أخًا"محققًا لكل مستلزمات الأخوة!

كم جلسةً .. كم درسًا .. كم موعظةً .. كم توجيهًا .. يحتاج إليها الإنسان الفرد، وتحتاج إليها الجماعة، وتحتاج إليها"القاعدة"ليرسخ في حسّهم جميعًا هذا"المعنى"فلا يعود حقيقة ذهنية يستوعبها الذهن ثم ينتهي بها المقام هناك. إنما تتحول إلى وجدان قلبيّ، يتعمّق في القلب حتى يصدر عنه سلوك عمليّ كذلك الذي ورد ذكره في كتاب الله:

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الحشر 59/ 9] .

إنّه لمثل هذا كان يعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يربّي أصحابه رضوان الله عليهم، ثلاثة عشر عامًا في مكّة، وسنوات في المدينة بعد ذلك" [3] ."

(1) رواه الحاكم في المستدرك (3/ 598) .

(2) واقعنا المعاصر، الأستاذ محمد قطب.

(3) واقعنا المعاصر، الأستاذ محمد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت