الصفحة 86 من 92

والهويّة الإسلاميّة ليست شعارًا نتغنّى به دون أن يكون لها تأثير في سلوكنا، فالمسلم الذين يفخر بهويّته الإسلاميّة عليه أن ينضبط في سلوكه بما يقتضيه"الإسلام"الذي يفخر بانتسابه إليه، وإلا فإن كانت الهويّة الإسلاميّة مجرّد شعار يتنادى به، والسلوك منتكسٌ عن مقتضيات هذا الشعار، فإنّ هذا المسلم المدّعي حملَها يكون قد أدّى أسوأ شهادة يمكن أن يقدّمها مسلم تجاه دين الله عزّ وجلّ!

ونكتفي بهذا القدر من بيان ما تقتضيه الهويّة الإسلامية من أخوّة بين المسلمين، وننتقل للحديث عن أبرز المعاني التي تقتضيها الهويّة في بعدها الجماعيّ.

أحد أبرز المعاني التي تقتضيها الهويّة الإسلاميّة (وبالإساس يقتضيها الإسلام) بالنسبة لعموم الأمّة الإسلاميّة هو"الوحدة"بمفهومها الشامل الذي تكون فيه هذه الأمّة جسدًا واحدًا، وكيانا واحدًا، شعورًا وممارسة.

فالمسلم ينتمي إلى أمّته المسلمة كلّها، من أقصى شرقها إلى أقصى غربها، ومن أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، لا يهمّه اختلاف البلاد والأماكن التي تعيش فيها هذه الأمّة. وعلى المسلمين أن يسعوا إلى إعادة كيانهم السياسي والاجتماعي المسلوب في عصر انحطاطهم هذا، فقد أجمع علماء الأمّة قديمًا وحديثًا أنّ هذه الأمّة ينبغي أن يكون لها كيانٌ سياسيّ واحدٌ يحكمه إمامٌ واحد، وبهذا يتجسّد المقتضى الواقعيّ الجماعيّ للهويّة الإسلاميّة كما ينبغي أن يكون. ولا خلاف بين المعتبرين من علماء الأمّة على وجوب إعادة هذا الكيان الجامع للأمّة.

وكذلك من مقتضيات الهويّة الإسلاميّة ببعدها الجماعيّ أن يشعر المسلم بالمسؤوليّة تجاه أمّته، فالاعتقاد السائد عند كثير من الناس هو أنّ النجاة الأخرويّة تكون بمجرّد الالتزام الفرديّ بهذا الدين أداءً للطاعات وبعدًا عن المعاصي، من دون أن يكون للمسلم دخلٌ بأفعال إخوانه في الأمة الإسلامية. وهذا الاعتقاد خاطئ، يخالف النصوص الشرعية المحكمة الواضحة في بيان مسؤولية الفرد المسلم تجاه أفعال غيره من المسلمين، ولنعرضْ بعض النصوص في بيان هذا الواجب التكافلي التضامني الجماعيّ للمسلم مع غيره من إخوانه المسلمين:

يقول الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم:"المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمّتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يدٌ على من سواهم يردّ مشدّهم على مضعفهم ومتسرّيهم على قاعدهم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" [1] .

وهذه الواجبات يحتاج فيها الفرد المسلم إلى"التعاون"مع غيره من المسلمين، ولا يُتَصَوّرُ القيام بها بمفرده، فيسعى المسلمون بذمّة إخوتهم، ويكونون سويّا على من سواهم يردّ مشدّهم على مضعفهم.

يقول تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الأنفال: 25) . ويقول ابن جرير الطبري في"جامع البيان":"حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، ..."

(1) سنن أبي داود، من رواية جد عمرو بن شعيب، وسكت عنه، وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت