الصفحة 69 من 92

وأعجب ما في الأمر أنّ الداعين الآن للوحدة الوطنية عندما كانت الجولة لهم، لم يكن المسلم يجرؤ على التصريح بمبادئه وكانوا يرفضون مجرد التعامل مع المسلمين، بل كانوا يحتقرونهم! ثم دار الزمان دورته فصارت الجولة للمسلمين، فإذا القوم يدعون للوحدة الوطنية، وإذا بعض المسلمين يقولون: لبيكم وسعديكم! والآن ترى في أكثر من بلد إسلامي، يشتغل بعضُ المسلمين رافعاتٍ للعلمانيين، ودعاة الوحدة الوطنية بعد أن كسدت بضاعتهم، وانفضَّ سوقهم! والسبب الذي يدفع كثيرا من المسلمين إلى التجاوب إضافة لما ذكرته؛ الرغبة في كسب القلوب، واثبات أن المسلمين متنورون! وأحيانا يكون ضغط الواقع دافعا قويا حيث يخاف المسلمون من اتهامهم بأنهم ضد الوطن والوطنية! ثم هناك الحذر من الاتهام بأنهم أسرى التفسير البوليسي للأحداث! وهناك الاستعجال في تحقيق شيء ما في ظل النكسات التي يمر بها العمل الإسلامي فيندفع المسلم لقطف أي عرض حتى يشعر نفسه بتحقيق أي مكسب.

إنّ أهم نتائج هذا التجاوب توقف الدعوة إلى الله، وتجميد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالذي يريد الدخول في هذه اللعبة عليه أن يثبت استيعابه للآخرين، وبهذا يفقد حقه في الدعوة، لأنه لا يملك حق تخطيئ الآخرين! وبهذا يصبح الفكر الإسلامي فكرا من الأفكار الموجودة على الساحة، لا حق أكثر مما تمنحه إياه قواعد اللعبة التي وافق على دخولها.

وقبل أن أنهي أحبّ أن أنبه على أمر مهم، وهو أننا لسنا ضد التعامل مع الآخرين الذين يشاركوننا الوطن، والأرض، ولكن تحت أحكام الشريعة، ودون التنازل عن الثوابت والأسس. إننا لسنا مسؤولين عن هداية الناس على حساب الثوابت، ولكننا سنسأل عن اتباعنا لشريعة الله، وقد قال الله عز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - عندما واجه مثل هذه العروض والضغوطات:"واتبع ما يوحى إليك، واصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين". يعني لا تتنازل عن شيء رغبة منك بهداية الناس، وتجاوبا منك مع عروض الجاهلية كي لا تتهم بالجمود؛ بل اتبع الوحي، واصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا" [1] ."

فالقضيّة أن الكثير من التوجّهات الإسلامية وقعت تحت ضغط الواقع وفرّطت بجوانب هامة من الهويّة الإسلامية، مع أن التعاون مع التيارات الأخرى المسالمة في المجتمع لتحصيل حقوق معيّنة لا يستوجب أن نكون معها في"وحدة وطنية"تهمّش الهويّة الإسلامية كما يحدث في الواقع، بل التعاون ممكن بالضوابط الشرعية ودون الانخراط في وحدة على أساس الانتماء الوطني!

ولتبيان حقيقة شبهة"الطائفية"و"الإقصاء"التي تثور في الأوساط العلمانيّة تجاه من ارتضى له هويّة إسلامية واحدة، وانتماءً إسلاميّا خالصًا غير مشوب بالنّعرات الجاهليّة الوطنيّة والقوميّة، لتبيان حقيقة هذه الشبهة وتهافتها أنقل بتصرّف يسير مقالًا لي كنت قد كتبته في الردّ على هذه الشبهة، بعنوان"الطائفيون قادمون - الجزء الثاني" [2] :

"يستنكر العلمانيون أن يكون خطاب المسلمين اليوم على أساس الإسلام، أو أن يقوم المسلمون بإنشاء جمعيات وكتل"

(1) من حوار أجراه الأستاذ الداعية خبّاب بن مروان الحمد منشور على موقع صيد الفوائد بعنوان"المفكّر الإسلامي إبراهيم العسعس: صراع الفكرة لا يحتمل أنصاف الحلول".

(2) المقال منشور في مدوّنتي"مدونة أضواء"وعلى موقع"طلاب 48"في الشبكة، وهو يعالج حالة الداخل الفلسطيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت