ونختم هذا الفصل بحديث رواه ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلّة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت" [1] .
لقد حدّث الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام مستشرفا المستقبل البعيد، حدّثهم بضمير"المخاطَب"فقال لهم:"توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". لقد تجاوز معنى الولاء في هذا الحديث حدود الزمان والمكان والآباد .. ومزج قلوب الصحابة بقلوبنا نحن ممّن يعيش في هذه الغربة الثانية للإسلام وفي هذا الوهن، وهل غيرنا تداعت عليه الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؟!
لقد تمازج هذا المعنى ليقول لنا إننا أمّة واحدة، وإنّ امتداد هذه الأمّة يعود إلى ذلك الرهط الكريم من الصحابة الكرام. إنّه انتماء عميق عريق يتجاوز حدود الأزمان والآباد.
واليوم ما بالنا نحن؟ ما بالنا لا يتجاوز معنى الولاء والانتماء عندنا الحدود الاصطناعية التي وضعها لنا أعداؤنا؟! أفلا نتجاوز هذه الانتكاسة فنعود أمّة واحدة، ذات هويّة وحدة، وانتماء واحد؟ أفلا نعود كما أراد الله لنا أمّة واحدة متماسكة بدلا من التفرّق المذموم الذي يتزيّا بأزياء الوطنيّة والقوميّة؟
بلى .. إنّا عائدون بإذن الله ..
ولنا أن نتساءل الآن: كيف انحرفت الأمة الإسلامية عن هذه الصورة الناصعة للهوية الإسلامية؟ وكيف وصلت إلى هذا الحضيض الذي تتنازعها فيه هويات دخيلة شتى؟
(1) صحيح أبو داود، حديث صحيح.