"المسلم"هو الذي نعرّف به أنفسنا، ويكون هو هويّتنا، لا الوطن ولا القوم. فوطننا قد يكون هو فلسطين، وقومنا الذين ننتسب إليهم هم العرب، ولكن لا تكون تلك الأوصاف هويّتنا بأيّ شكل من الأشكال، لأنّ الهويّة - كما مرّ معنا - محور استقطاب قِيَمِيّ للفرد والجماعة، ولا شيء يأخذ هذا الوصف في حياة المسلم سوى الإسلام، فنحن إذن مسلمون، وهويّتنا إسلامية.
وجاء في الحديث كذلك:"ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية" [1] .
جاء في الحديث:"ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح" [2] .
فلا مفاضلة بين الناس على أساس الوطن والقوميّات، وإنما هو معيار واضح لا لبس فيه، حدّده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ هو معيار"الدين"أو"العمل الصالح". والعمل الصالح لا يقبل إلا بشرطين وهما: أن يكون خالصًا لله، وأن يكون صوابًا كما شرع الله. فهو بذلك لا يقبل إلا من المسلم، الذي حقّق عبوديّة الله وحده. فبين المسلمين تكون المفاضلة بالأعمال الصالحة، وبين المسلمين وغيرهم تكون المفاضلة على أساس"الدين"مطلقًا؛ فالمسلم الذي يعبد الله وحده دون شريك أفضل عندنا من الكافر الذي أعرض عن عباده الله وأعرض عن الإسلام له، حتّى لو كان الكافر من وطننا وقوميّتنا وكان المسلم غير عربيّ ومن وطن بعيد.
وجاء في صحيح البخاري من رواية أبي موسى الأشعري:"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا. وشبك بين أصابعه". وجاء في صحيح مسلم من رواية النعمان بن بشير:"المسلمون كرجل واحد. إن اشتكى عينه، اشتكى كلّه. وإن اشتكى رأسه، اشتكى كلّه".
ولم يقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم"العربيّ للعربيّ كالبنيان"ولم يقل"الفلسطينيّ للفلسطينيّ كالبنيان"، ولم يقل كذلك"العرب كرجل واحد"ولم يقل"الفلسطينيّون كرجل واحد". لم يكن لاعتبارات النسب والوطن أيّ معنى من معاني الوحدة والانتماء والهويّة الواحدة. وإنّما ينتمي المسلم إلى الجسد المسلم مهما كانت أوطانه وقوميّاته، ويكون مع إخوانه المسلمين"كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا"، أو"كرجل واحد. إن اشتكى عينه، اشتكى كلّه. وإن اشتكى رأسه، اشتكى كلّه". فهم جسد واحد، ولحمة واحدة، تجمعها رابطة العقيدة، يحزن بعضهم لآلام بعض، فيحسّ أنّها آلامه هو، تحقيقا لا تلفيقًا، ويفرح بعضهم لأفراح بعض، فيحسّ أنها أفراحه هو. ويهتمّ لأمرهم في السرّاء والضرّاء أينما كانوا ولأيّ القوميّات انتسبوا، ينصرهم ولا يخذلهم، ويسعى لرفعتهم وعزّهم ومجدهم، طالما كانت الرابطة التي تجمعه معهم هي رابطة العقيدة في الله .. أغلى رابطة في الوجود.
(1) رواه أبو داود في سننه برواية جبير بن مطعم، وسكت عنه، وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح.
(2) السيوطي، الجامع الصغير، حديث صحيح.