وقد أورد الكتاب أسماء معظم المستشرقين الذين ذهبوا إلى فلسطين، وأسماء الدراسات التي قاموا بها وأهدافهم منها، وملخصة في أن الباحثين المستشرقين يرجعون عادات وتقاليد أهل فلسطين إلى عادات وتقاليد بني اسرائيل كما هي موجودة في التوراة، وهي محاولة صهيونيه يائسة ومكشوفة لربط الانسان اليهودي بأرض فلسطين والايحاء بأن الفلسطيني لا علاقة له بهذه الأرض رغم وجوده قبل دخول بني إسرائيل بألفي عام تقريبا" [1] ."
وهكذا يعبث هذا الكاتب بحقائق التاريخ التي تقول إنّ فلسطينيّي اليوم لا علاقة لهم دينيا أو ثقافيا أو قوميّا بالفلسطينيّين الذين كانوا في تلك الحقبة من التاريخ، والذين كانوا"وثنيّين"كفارًا وكان جالوت منهم! ويغفل (أو يتغافل) عن أنّه بتقريره هذا يريد للمسلم الفلسطينيّ أن يشعر بالانتماء تجاه أقوام من الكفار في التاريخ الغابر، ويشعر بالنقمة تجاه فئة مؤمنة كان نبيّ الله داود منها! لمجرّد أنّ أولئك"فلسطينيّون"وهؤلاء من"بني إسرائيل"؛ فيجعل معيار الانتماء والمفاضلة هو معيار"الوطن"، و"القومية" (وإن كانت وهميّة مكذوبة كما تقدّم!) ويعليها على معيار"الإيمان"! غير مدرك أنّ الدعوة الإسلامية اليوم ما هي إلا امتداد لقافلة مباركة ابتدأت بسيّدنا آدم مرورا بأنبياء الله عليهم السلام - ومنهم سيّدنا داود عليه السلام وعصبة طالوت المؤمنة التي حاربت جالوت الفلسطينيّ! - وصولا إلى سيّد ولد آدم رسولنا الكريم محمّد صلّى الله عليه وسلّم. فهي مسيرة واحدة، وقافلة واحدة، وانتماء واحد، وهويّة واحدة، أساسها الإيمان والدعوة إلى تعبيد الخلق لربّهم الواحد.
هذا نموذج من تزييف الحقائق يعمد إليه دعاة الوطنية الفلسطينيّة، مخالفين بذلك ما تقرّره النصوص القرآنية المحكمة، بغية تشكيل هويّة جماعية"فلسطينيّة"تستند إلى"تراث"شعبيّ وإن كان وجوده موهومًا! وإلى"تاريخ"مشترك وإن كان الاستناد إليه مغلوطًا!
جاء في الحديث:"... ومن دعا دعوى الجاهلية فهو جثاء جهنّم، قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلّى؟ قال: وإن صام وصلّى، ولكن تسمّوا باسم الله الذي سمّاكم المسلمين المؤمنين" [2] .
ودلالة الحديث لا تكاد تحتاج إلى مزيد بيان! فدعاوى الجاهلية كلّها باطلة، كتلك التي نهى عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأوسَ والخزرجَ حين بثّها فيهم ذلك اليهوديّ الخبيث شاس في المدينة، فتفاخرت كلّ قبيلة وتنادت بدعاويها الجاهلية قبل الإسلام، وقد ذكرناها في الفصل الأوّل. أو كتلك التي يتنادى بها الناس اليوم كالقوميّة والوطنية، فيفخر العربيّ بعروبته ويجعلها رابطة تجمّع وهويّة وانتماءً، ويفخر كل مواطن بوطنيّته جاعلا منها رابطة تجمّع وهويّة وانتماءً! فهذه كلّها جاهليّات جاء الإسلام ليمحوها مع غيرها من أشكال الجاهلية الأخرى.
وحين يقول لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"تسمّوا باسم الله الذي سمّاكم المسلمين المؤمنين"يكون وصف
(1) جالوت الفلسطيني في جامعة الأزهر بغزة، للكاتب ثامر مراد، مقال منشور على موقع"دنيا الرأي"بتاريخ: 28.8.2010.
(2) الراوي: أبو مالك الأشعري المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 5/ 220 خلاصة حكم المحدث: رجاله ثقات رجال الصحيح خلا علي بن إسحاق السلمي وهو ثقة