وما أعظم دلالة الآية! وما أعظم دلالة الحديث! إنّها الرابطة الواحدة في الله، هي التي تجعل شعور المسلم بأخيه المسلم وكأنّه نفسه التي بين جنبيه، بل كذلك ينبغي فعلا! كم يكون الواحد منّا حريصًا على نفسه وحمايتها من الأذى، وإرضائها بتلبية متطلّباتها؟ هكذا ينبغي أن يكون حرصه على أخيه المسلم. فهل ثمّة رابطة من الروابط الجبرية كالقومية والوطنية تفعل هذا الفعل الإنسانيّ في نفس البشر؟! كلاّ! إنّ الجسد الواحد لا تؤلّفه إلا العناصر المؤمنة مهما كانت أوطانها وجنسيّاتها وقوميّاتها وأعراقها، وإنّ النسيج الواحد لا يلتئم إلا بخيوط النور .. نور الإيمان، فالإيمان هو ذلك النور الذي يسري في القلوب فيحرّكها لتسلم لله وحده، فتوالي فيه، وتحبّ وتبغض فيه، وتجتمع تحت رايته لا تحت الرايات العميّة الجاهليّة.
يقول تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} (البقرة: 250) .
فإلى أيّ فئة في ذلك التاريخ الغابر ينتمي المسلم الفلسطينيّ؟ إلى"الفلسطينيّين"الكفار من قوم جالوت أم إلى الفئة المؤمنة من"بني إسرائيل"؟ هل تقف المسمّيات العرقية والوطنية والقومية أمام انتمائه الواضح لكل من اختار العبودية لله وحده، بغضّ النظر عن نسبه وعرقه ووطنه؟! وهل يجمعه مع قوم جالوت شيء من الروابط الموهومة سوى أن يكون هو رابطة"الوطن"الواحد؟
إنّ دعاة الوطنيّة المعاصرين يلجأون إلى هذه الأحداث التاريخية حتى يبرهنوا على أصالة الوجود"الفلسطيني"في بلاد فلسطين وأحقّيّته! وعلى أنّ اليهود اغتصبوا قبل آلاف السنين أرض فلسطين من"الفلسطينيّين"! وما دروا أنّ من يدعونهم بالفلسطينيّين اليوم معظمهم (بل ربّما كلّهم) لا يمتّ بصلة إلى قوم جالوت الفلسطينيّين الذين تشابه اسمهم معهم! ولكنّها الأهواء تغربل التاريخ وتنبشه حتى تنتزع منه - ابتذالًا - ما يؤصّل للدعوة الوطنيّة حتى لو كان زائفًا!
يقول أحد الباحثين واسمه ثامر مراد في مقال له على موقع"دنيا الرأي"تحت عنوان"جالوت الفلسطيني في جامعة الأزهر بغزة":"في بحث يعد الأول من نوعه في دراسات التراث الشعبي، يتوصل الدكتور محمد بكر البوجي مؤلف كتاب (التراث الشعبي والمواجهة) إلى نتيجه مؤداها أن الإسرائيليين قد سرقوا التراث الشعبي الفلسطيني قبل ثلاثة آلاف سنة حينما كان الفلسطينيون في هذه البلاد وقد غزى بنو اسرائيل أرض الفلسطينين على ساحل شرق المتوسط وكان شعار السداسية خاصا بالقائد العسكري الفلسطيني جالوت، حيث كانت يرسم على درعه الشكل السداسي، ويبدو أنه كان وثنيا متصلا بالمعتقدات الفرعونيه التي تقدس الشمس فالعلامات الستة هي شعاع الشمس تنطلق من دائرة واحدة هي الشمس، كذلك سرق الاسرائيليون وحدة الوزن الفلسطينية (الشقلة) وحولوها إلى شيقل، ثم اتخذوها في العام 1975 م عملة لهم، هذا مع العلم أن وحدة الوزن لبني اسرائيل كانت المثقال قبل دخولهم أرض فلسطين وهذا وارد في كتاب العهد القديم كما يشير الباحث، كذلك أشار الكتاب إلى سرقات اليهود للتراث الفلسطيني مع بداية القرن العشرين من خلال إرسال بعثات علمية أوروبية بتمويل من صندوق المال الصهيوني لدراسة التراث الشعبي الفلسطيني"