الصفحة 29 من 92

عن وضعها الشرعي الطبيعي.

-التوريث: والذي كان انحرافا ولا شك عن المنهج النبوي والراشدي في طريقة اختيار الإمام، وعدم تفعيل الشورى لاختيار الإمام من قبل أهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية يُفضي إلى شيء من انحسار فاعلية الهوية الجماعية للأمة، بعد انحسار هذا الجانب الهام من المشاركة. حتى لو كان التوريث يأتي بأحسن الخلفاء (كإتيانه بعمر بن عبد العزيز رحمه الله) ولكنه من حيث الأصل انحراف عن المنهج الشرعي في اختيار الخليفة.

وأدت هذه العوامل من الاستبداد وتوريث الحكم إلى مزيد من الظواهر التي أثرت في انحسار فاعلية الهوية الإسلامية في جانب الممارسة الجماعية لها وكان أهمّها:

-نموّ التديّن الفردي على حساب المسؤوليات العامة للأمة: ويؤدّي كلّ ما سلف إلى نموّ التديّن الفردي في عموم الأمة على حساب الالتزام الجماعي والمسؤوليّات الدينية العامة للأمة؛ فالعلماء يلوذون بالخطاب الفردي لعموم الأمة في خطبهم وكتبهم ورسائلهم، مما يؤدي إلى إعطاء مساحة أكبر للتكاليف الشرعية الفردية، وضمور المساحة المعطاة للتكاليف الكفائية الجماعية في الخطاب الديني، خوفا من بطش بعض الحكام، وهذا يؤدي إلى خفوت وهج الهوية الإسلامية"كممارسة جماعية"رغم بقائها متألقة كشعور عام بين أفراد الأمة الإسلامية.

ويُضاف إلى هذه العوامل الداخلية التي أدّت إلى انحراف مفهوم الهوية عن وضعه الشرعي الطبيعي في كيان الأمة:

-المذهبية: التي نشأت في الأمة الإسلامية، وكانت لها سلبيّاتها بأن تعصّب أبناء كل مذهب إلى مذهبهم، رغم أن تأثيرها في ضعف فاعلية الهوية الإسلامية لم يكن كبيرًا ولكنّه أحدث فعله في اضطراب هذه الفاعلية.

-نشوء الفرق والطوائف: وهذا أدى إلى تشيّع بعض طوائف الأمة إلى فرقها ومعتقداتها المنحرفة عن معتقد أهل السنة والجماعة، مما عزّز الفرقة في أجزاء من الأمة الإسلامية. ولئن كانت هذه الفرقة قد أحدثت فعلها في الإخلال بفاعلية الهوية الإسلامية عند من انحرف عن منهج أهل السنة والجماعة إلى مناهج المبتدعة كالشيعة والخوارج والمعتزلة وغيرهم، فالواقع التاريخي يشهد أن الثقل الأكبر كان لأهل السنة والجماعة في بلورة الهوية الجماعية للأمة الإسلامية.

-أوضاعُ الفرقة: التي سادت في العالم الإسلامي منذ أن تعدّدت الإمارات الحاكمة في بلاد المسلمين، ودارت بينها رحى الحروب والمعارك الطويلة التي قاتل فيها المسلمون إخوانهم المسلمين! ولكنّ الواقع التاريخي يشهد أنّ الأمة الإسلامية رغم بروز أوضاع الفرقة هذه كانت لها هوية واحدة متماسكة، وكان المسلم يسافر في بلاد المسلمين ويتنقّل بين الإمارات المختلفة دون وجود أيّ قيد لهذا التنقّل بل وحتى الإقامة، ودون الإحساس بالغربة بين إخوانه من المسلمين في أيّ البلاد حلّ، طالما كان فيها إخوة مسلمون ينتمي إليهم على أساس الإسلام، على عكس ما هو قائم في أوضاع الفرقة المعاصرة القائمة على أساس عقد"المواطنة"الذي يميّز بين المسلمين في الحقوق والصلاحيات على أساس المواطنة لا على أساس الإسلام [1] !

(1) يراجع بحث"المواطنة أم الأمة؟"لفضيلة الشيخ محمد بن شاكر الشريف، وهو موجود على موقع صيد الفوائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت