الصفحة 30 من 92

ولم يكن تأثيرُ العوامل الداخلية في انحراف الهوية الإسلامية عن وضعها الشرعي الطبيعي كما هو تأثير العوامل الخارجية.

* العوامل الخارجية:

كانت الرابطة الإسلامية هي الرابطة الوحيدة التي يتجمّع حولها المسلمون ويعتزّون بها، وكانت الهوية الإسلامية هي التي تشكّل انتماءهم وولاءهم، فما الذي حدث بعد ذلك؟

الذي حدث هو دخول دعوات الاجتماع على"القومية"أو"الوطنية"في كيان الأمة الإسلامية مع بداية القرن الرابع عشر الهجري، وكانت هذه الدعوات صدى للاتجاه العالمي نحو فكرة القومية في القرن التاسع عشر [1] ، الفكرة التي كانت أوروبا هي منشأها الأساسي ومحضنها الذي ولدت فيه، فكيف نشأت القوميات والوطنيات في أوروبا؟

ملابسات نشأة القوميات والوطنيات في أوروبا:

الدراسة العميقة لأحوال أوروبا منذ دخول النصرانية إليها حتى عصور انفصال الملوك والكنائس عن الكنيسة الأم، هذه الدراسة تظهر لنا الظروف والملابسات التي نشأت فيها الوطنيات أو القوميات في أوروبا، ولا بد لنا من إلمامه سريعة بالأسباب التي أدّت لنشوء الوطنيات هناك، حتى نسأل أنفسنا بعد ذلك: هل كان حتما علينا أن نخطو نفس الخطوات ونحن لم نمرّ بتلك الظروف ولم تكن عندنا تلك الأسباب؟

السبب الأول الذي شجّع على قابلية الانفصال عن الكنيسة في أوروبا هو أن الدين الذي فُرِضَ على أوروبا في عهد الإمبراطور قسطنطين عام 325 م كان دينا وثنيا محرفا خلط رسالة المسيح عليه السلام بعقائد الإغريق الوثنيين، وكان عقيدة مفصولة عن الشريعة، فلم تكن طبيعة التجمّع النصرانيّ في أوروبا كطبيعة التجمّع الإسلامي، فلا يستوي دين متكامل شامل يحكم العقيدة في الضمير والواقع في الحياة، ودين ممسوخ يضمر في الوجدان ويحكم بعض السلوك الفردي ولكنّه يعجز عن حكم الواقع الكبير للناس! بل كان الواقع العملي للناس تحكمه أهواء الأباطرة والقوانين الرومانية.

السبب الآخر هو أن العقيدة النصرانية تفرعت إلى مذاهب شتى تختلف في الأصول لا في الفروع كما هو الحال في الإسلام، فلم يساعد ذلك على الإحساس بالوحدة الشاملة عند النصارى في أوروبا، لأنهم يعلمون بوجود قطاعات أخرى في أماكن أخرى تختلف مع الكنيسة الكاثوليكية في الأصول لا مجرد الفروع.

وسبب ثالث إذا أضفناه لهذين السببين اكتملت عندنا الصورة التي تبيّن لنا: لماذا لم يرتقِ التجمّع النصراني في أوروبا في ظلّ الكنيسة حتى يكوّن"أمة"واحدة على الشكل الذي قام في العالم الإسلامي لقرون طويلة؛ وهو أن اللاتينية - لغة كتابهم - كانت اللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، وتفرعت عنها الكثير من اللغات في أوروبا، ثم أدى انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية واستيلاء قبائل الجرمان على كثير من أجزائها إلى إضعاف الصلة باللاتينية لدى هذه الشعوب الأوروبية، وحصرها في حيّز ضيّق من المثقفين ورجال الدين. وبذلك تكون الإمبراطورية المسيحية قد افتقرت

(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد محمد حسين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت