الصفحة 31 من 92

لعناصر ثلاثة تواجدت عند الأمة الإسلامية حتى تكون أمة واحدة متناسقة؛ فالإسلام لم يكن عقيدة منفصلة عن الشريعة، ولم تنشأ تلك الخلافات في أصول العقيدة التي تمزّق الوحدة بنفس الدرجة التي كانت عند النصارى في أوروبا؛ فقد نشأت خلافات عقدية خطيرة في داخل كيان الأمة الإسلامية، ولكن الفارق الهائل أن الله قد تكفّل بحفظ كتابه وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلّم المبيّنة له، وقيّض لها من يذب عنها من الأئمة الأعلام، واتصل الموروث جيلا بعد جيل، بخلاف الأمم الأخرى - ومنها النصارى في أوروبا - التي ارتكزت اختلافاتها على نظريات جدلية وأصول عقدية كبيرة كالأقانيم والآلهة وغيرها، ولا يوجد عندهم أي سند لنبيّهم الذي ينسبون أنفسهم إليه، ولا يمكن لهم أن يدعوا أنهم على ما كان عليه نبيّهم من عبادات وأحكام! وبالإضافة إلى ذلك كانت لغة الإسلام لفترة طويلة من الوقت لغة واحدة هي لغة القرآن، بينما لم يتوفر هذا الأمر لنصارى أوروبا كما بيّنا.

كان طغيان الكنيسة عاملا أساسيا في تفكّك الإمبراطورية النصرانية، وقد التقت كل ردود الأفعال على هذا الطغيان في وِجهة واحدة: التفلّت من نفوذ الكنيسة والخروج عن سيطرتها. وكانت أولى بوادر ذلك التفلّت تمرّد الملوك، إذ كانوا يريدون نزع السلطة الزمنية من يد الكنيسة وردّها لهم، وإبقاء السلطة الروحية للكنيسة، فلمّا جاءت دعوات"حركة الإصلاح الديني"التي نشأت على أساس الانفصال عن الكنيسة بسبب طغيانها بالأساس، وأخذت صورة الخلاف المذهبي في أصول العقيدة، لما جاءت تلك الدعوات أدّت إلى انفصال بعض الكنائس عن الكنيسة الكاثوليكية الأم، ككنيسة بريطانيا وألمانيا وكنائس أخرى، فما كان من الملوك إلا أن عملوا على السيطرة على تلك الحركات الإصلاحية، لا رغبة في الإصلاح، إنما لأنّ هذه الحركات الانفصالية كسبٌ لهم يمدّهم بالقوة ويُضعف سلطان الكنيسة، ومن ثمّ يساعدهم على التفلّت من نفوذها! ومن أمثلة حركات الإصلاح الديني حركة مارتن لوثر (1483 - 1546) الذي استعان بالألمان بني جنسه ضد الكنيسة اللاتينيّة، ونجح في ذلك نجاحا باهرا، وانفصلت أمة الألمان عن نفوذ الكنيسة اللاتينية، وذات الأمر حدث لبقية الأمم الأوربية، إذ استقلت شيئا فشيئا عن الكنيسة الأم، وقلّت روابطها ببعضها البعض، ومع الأيام ازدادت استقلالا بشؤونها، حتى إذا اضمحلّت النصرانية في نفوس الناس هناك قويت الرابطة العصبية القومية والوطنية، وأصبحت هي الآصرة التي يتجمّع حولها الناس [1] .

بعد هذا العرض الموجز لملابسات نشأة القوميات والوطنيات الحديثة في أوروبا نتساءل: هل كان حتما على الأمة الإسلامية أن تخطو خطوات أوروبا في اتخاذ روابط التجمّع القومية والوطنية وهي لم تمرّ في تلك الظروف ولم تحدث عندنا تلك الملابسات فضلا عن مخالفتها الصريحة لحقائق الإسلام؟!

والحقيقة أنّ ذلك لم يكن حتما، ولكنّ تيارات كثيرة عملت على إحلال هذه الروابط مكان الرابطة الإسلامية أو زيادة عليها، وساعدت في ذلك ظروف العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة وبداية عهد الاحتلال والاستضعاف الذي جلب هذه الأفكار بقوة إلى العالم العربي والإسلامي، وربّى على عينه"أفراخا"من أبناء الأمة الإسلامية على هذه

(1) مستفاد من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"للأستاذ محمد قطب، وانظر أيضا كتاب"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"للشيخ أبي الحسن الندوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت