الصفحة 32 من 92

الأفكار، حتى إذا شبّوا وتبوّؤوا المناصب القياديّة في الحركات الاجتماعية والسياسية كانوا من دعاة القومية والوطنية.

التغريب:

صاحبَ عهود الاستعمار التي ربضت على صدر الأمة الإسلامية لعقود طويلة عملية"تغريب"أُريدَ منها نزع مقوّمات الشخصية المسلمة، وزرع مقومات الشخصية الغربية الأوروبية في عقول المسلمين. ذلك أن المحتلّ الصليبيّ أدرك تمام الإدراك أنه لا سبيل للسيطرة على العالم الإسلامي ومقدّراته وإذلاله إلا بتمييع شخصيّته وطمس هويّتها الأصيلة، إذ لا يسمح"الاستعلاء"الإسلامي الذي يرى فيه المسلمون غيرهم من الكفار ضالين جهلة لا يعرفون الحق، لا يسمح هذا الاستعلاء بتقويض مكامن القوة في الأمة واستباحتها، فينبغي إذًا إحلالُ المفاهيم التي تلغي الفوارق على أساس العقيدة لتسهيل عملية الاحتلال والاغتصاب، وقد كان! ومن ضمن ما تمّ زحزحته عن وضعه الطبيعي هو المفهوم الإسلامي للهوية، فقد دخلت مفاهيم القومية والوطنية في كيان الأمة على شكل أفكار ومن ثمّ على شكل كيانات واقعية تفرّق الأمة وتشتّتها!

كانت عمليّة تمييع الهوية الإسلامية عن طريق هذه الهويات الدخيلة عبارة عن كسر لحاجز حماية حضاري، حمى الأمة الإسلامية من هجمات المحتلّين عبر العصور، فتكاتفت الأمة تحت لوائه لطرد الغزاة من الصليبيّين والتتار وغيرهم من الشعوب. وكانت الهوية الإسلامية صبغةً للبلاد الإسلامية كلّها لا تشاركها فيها صبغة أخرى، فيتنقّل المسلم بل وغير المسلم في بلاد المسلمين من غربها إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها على اختلاف ولاياتها وإماراتها ودولها، يتنقّل فلا يسأله أحد عن رسوم عبور"للحدود"! ولا يسأله أحد عن"مواطنة"حتى ينال حقوقا في بلد غير البلد الذي نشأ فيه! بل كان بالإمكان أن يتبوّأ المسلم المناصب الإدارية والوزارية في بلد لم ينشأ فيه ولا يحمل فيه هوية"مواطنة"!

لم يكن الاستعمار ليستمرّ طويلا في البلاد الإسلامية؛ ذلك أن معامل المقاومة لم يهدأ لها أوار طوال فترة الاستعمار؛ فهذه الأمة لا تموت أبدا، مهما بدا عليها من ظواهر التفكك والانهيار. ولكنّ الحقد الصليبي الذي يدفع إلى إذلال العالم الإسلامي والسيطرة عليه لم يكن ليهدأ أيضا، ولعاب الدول المحتلّة لم يكن ليكفّ عن السيلان! فكان أن عملت هذه الدول الغربية قبل خروج جحافلها من بلاد المسلمين على ترسيخ الأفكار الوطنية في كيان الأمة، بل وتقسيمها واقعيّا في الاتفاقيات المشؤومة وأبرزها"معاهدة سايكس - بيكو"، وعهدتْ إلى أفراخها ممّن تربّوا على عينها بإدارة شؤون هذه الكيانات الوليدة الجديدة التي سمّيت"دولا"وحملت الطابع القومي والوطني.

واستمرارا في عرض السياق التاريخي لعملية التغريب ونشوء القوميات والوطنيات في العالم العربي والإسلامي ننقل هذه الفقرات من كتاب"الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة"للدكتور محمد محمد بدري، فقد أجاد في تلخيص هذا السياق التاريخي النكد الذي مرّت فيه الأمة الإسلامية:

"ولكي يستريح الغرب من شبح ائتلاف الأمة الإسلامية الذي يفزعه ويؤرقه، كان من الضروري تلوين الحياة المحلية في كل بلد من بلاد (دار الإسلام) بلون خاص يستند في مقوماته إلى أصوله الجاهلية الأولى، فتعود الحياة الاجتماعية التي وحّد الإسلام مظاهرها إلى الفُرْقة والتشعب، وذلك برجوعها إلى أصولها القديمة السابقة على الإسلام .."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت