الصفحة 33 من 92

"ومن هنا كان أسلوب نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها هو أحد الخيوط الأساسية التي تكوّن (الشَّرَكَ) الذي يُراد به احتواء المسلمين وأمتهم، وكان المخطط الخبيث الذي حمله الصليبيون وهم يجوسون ديار الإسلام"هو نبش الأرض لاستخراج حضارات ما قبل التاريخ، لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وبين تلك الحضارات، تمهيدًا لاقتلاعهم نهائيًا من الولاء للإسلام" [1] ."

"ومصداق هذا الكلام قول أحد المستشرقين في كتاب"الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته"وهو يتحدث عن أسلوب نزع ولاء المسلمين فيقول: إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه، ولكنه يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات" [2]

وقد ظهرت الدعوة إلى إحياء الحضارات السابقة على الإسلام في وقت واحد في تركيا والشام ومصر والعراق وشمالي إفريقيا والهند وإندونيسيا، بمظهر (واحد) وأساليب (متشابهة) !!

ففي مصر بدأت النعرة (الفرعونية) تطلّ برأسها، وكثر التغنّي بالأمجاد الحضارية للفراعنة، فهذا حافظ إبراهيم يقول:

أنا مصري بناني من بنى هرم الدهر الذي أعيى الفنا!

"وكما حدث ذلك في مصر، حدث في العراق فرجعت إلى (الآشورية) ، وفي اليمن فرجعت إلى (الحميرية) .. وكل بقعة من (دار الإسلام) أخذت تنادي بهذه النعرات الجاهلية التي تحسّن سمعة الجاهلية، وتبثّ النعرات الانفصالية بين الأمة وبين ماضيها الحقيقي أو على الأقل تشغلها عنه [3] "

"وهكذا بعد أن كان البراء أمرًا ملازمًا تجاه هذه النعرات الجاهلية، أصبح أمرًا لا وجود له إلا عند من رحم الله."

"ولمّا أدرك أعداء الأمة الإسلامية مدى جدوى هذه الفكرة في نزع الولاء الإسلامي ليحل محله الولاء الجاهلي، وفي (تغييب) الهوية الإسلامية التي تميز المسلم وتجعله مستعصيًا على الذوبان في الأمم الأخرى .. لمّا أدرك الأعداء ذلك أخذوا في بث (سموم) الفكرة الوطنية، والتي تبث الشعور بالوطنية الإقليمية في الأمة، وتنادي بأن الأمة تقوم - حسب تصورهم - على الجنس لا على الدين [4] ، فالوطنيون يحبون أبناء وطنهم وإن كانوا على غير ملتهم إذا لم يكونوا في وطنهم!!"

"وهكذا بفعل هذه الدعوة الخبيثة"أصبح الوطن هو الرقعة الضيقة التي يعيش فيها المواطن، وهو مجال أحلامه وأمانيه، بغضّ النظر عن بقية أوطان المسلمين، فهم غرباء عنه وعن وطنه، بل كثيرًا ما حصلت الحروب والاصطدامات بين

(1) واقعنا المعاصر - محمد قطب ص 202.

(2) الولاء والبراء - محمد سعيد القحطاني ص 416.

(3) يراجع في هذا بتوسع كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر - د. محمد حسين.

(4) الوطنية دعوة تختلف عن القومية، فالقومية تقوم على العرق أو الجنس بغض النظر عن موطنه، كالجنس العربي، والتركي، والفارسي، والبربري، والوطنية تقوم على انتماء لقطعة محدودة من الأرض بغض النظر عن أصول المنتمي العرقية، فالمصري ذو الأصل العربي يستوي فيها عند المصري ذي الأصل الفرعوني، أو الإغريقي، أو المملوكي، أو العثماني، أو الحبشي، أو البربري، أو البلقاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت