الأقطار المتجاورة" [1] "
"وصارت الوطنية"هي تقديس الوطن بحيث يصير الحبّ فيه والبغض لأجله، والقتال من أجله وإنفاق الأموال من أجله حتى يطغى على الدين وحتى تحلّ الرابطة الوطنية محلّ الرابطة الدينية" [2] بل إن الأمر ليصل إلى جعل الوطن إلهًا يستحق العبادة مع ربّ العالمين، وكما صرح بذلك أحمد شوقي وهو يتحدث عن مصر:"
وجه الكنانة ليس يغضب ربكم ... أن تجعلوه كوجهه معبودا
ولّوا إليه في الدروس وجوهكم ... وإذا فزعتم فاعبدوه هجودا
"ولم يكن شوقي يعبّر في ذلك عن مجرد نزوة من نزوات الجرأة التي يولع بها الشعراء طلبًا للغرابة وادعاءً لعمق الفكر، وإنما كان في الحقيقة يعبّر عن تيار الوطنية الذي بدأ في الاستقرار في ديار الإسلام منذ ذلك الحين .. والذي لم تنطفئ نيرانه حتى اليوم .." [3] .
وهكذا استقرّت الهويات القومية والوطنية وتحوّلت إلى"ثوابت"لا يمكن الحديث عن تجاوزها إلا بمنطق"الخيانة"! واصطبغتْ الأنظمة العلمانية العميلة التي زرعها الغرب ودعمها بهذه الهويات [4] . وكانت أنظمةً دكتاتوريةً وعسكريةً في معظمها، مما أدى إلى زيادة الشعور بفقدان الانتماء لدى الأمة تجاه هذه الأنظمة، وازداد الإحساس باللامبالاة وتجذّر وتعمّق؛ فالأمّة التي لم تعتد على أَطْرِ الحاكم المسلم الذي يقيمُ شريعة الله على الحق والعدل كان من الطبيعي ألا تبالي بهذا الواجب تجاه الحكّام العلمانيين العملاء، وقد كان هذا مع الأسف! فتوالت النظم العميلة التي تحكم الأمة الإسلامية بالعلمانية، وتتخذ من"الوطنية"هويّة لها وشعارا، وأصبح الأمر في حسّ الأمة أمر غالب ومغلوب، لا علاقة لها به إلا أن تهتف في أحيان لزعيم يظهر، ولكن سرعان ما يتّضح لها أنّها كانت تهتف لطاغية عميل للقوى العالمية المتحكّمة بشؤونها العامة! والأمّة التي لا تدير شؤونها العامة، ولا تُدار هذه الشؤون لها بناء على مشربها الحضاري الإسلامي، لا بدّ أن يخفت فيها وهج الهوية الإسلامية وتخفت فاعليّتها؛ فالهوية - ككلّ مفهوم - شعورٌ وممارسة، وهي ممارسة جماعية على أسس جامعة ثابتة، فإذا ما غابت هذه الممارسة الجماعية ضاع التأثير الحقيقي لها، وانحصرت اهتمامات الأفراد بشؤونهم الذاتية، فلم تستطع هذه الدول بنظمها وهويّاتها الدخيلة التي تمسّحت بها - سواء كانت هي القومية أو الوطنية - أن تحقّق ذلك الاستقطاب والجذب الذي تحقّقه الهوية الإسلامية، التي هي الهوية الأصيلة لهذه الأمة. وبذلك فشلت هذه الهويات بإخراج الأمة من حالة"الاغتراب"التي أحدثها الغرب المحتلّ، بل زادتها وبالًا بسبب الفراغ الاجتماعي الذي أحدثته
(1) الحياة السياسية عند العرب - محمد الناصر ص 224.
(2) أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية - علي بن نفيع العلياني ص 411.
(3) الأمة الإسلامية من التبعية إلى الريادة"بتصرّف يسير"، د. محمد محمد بدري.
(4) في الظاهر تجمّلا للشعوب، وإلا فهي مفتقدة على الحقيقة لأي حسّ قومي أو وطني حتى وإن ناقض مفهوم الولاء في الإسلام! بل هي منسلخة من الانتماء لمصالح أمتها على كل المستويات.