الصفحة 17 من 92

"هذا هو تصور الإسلام للمسألة .. إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى .. سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر .. سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله .. سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر .. وتحقيق هذا المنهج يقتضي"دعوة"إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج. ويقتضي سلطة"تأمر"بالمعروف"وتنهى"عن المنكر .. فتطاع .. والله يقول: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} " [1] .

فمفهوم"الأمة"في الإسلام هو: الجماعة من البشر التي تصطبغ بمفاهيم الإسلام، وتحكمها شريعته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فمحور استقطاب هذه الجماعة هو"الإسلام"، ولا شيء غير الإسلام، وبذلك يكون الاجتماع على غيره من النظم كالعلمانية أو نظام المواطنة أو القومية أو الشيوعية أو غيرها إنما هو اجتماع على جاهليّات، يُفقد الأمة وجودها الشرعي، وإن بقي وجودها التاريخي بصورة أفراد مسلمين متفرقين، ولكن مهما كثر سوادهم ومهما حسن إسلامهم واتصفوا بالتقوى فإنهم لا يحقّقون وجود هذه الأمة الشرعيّ دون الالتزام بالمعايير الربّانية التي وضعها الله في كتابه، فالوجود الشرعي لهذه الأمة لا يتحقّق إلا بأن يكون لها نظام هويّته الإسلام وتحكمه شريعة الله، وإلا أن تقوم بواجبها الذي أخرجها الله من أجله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143) ، واجب دعوة البشرية جميعها إلى منهج الله، وليس مجرد الالتزام بأمر الله تعالى في ذات نفسها، فضلا عن أن يكون هذا الالتزام بصورة أفراد كلّ واحد منهم يمارس الإسلام كدين فرديّ! وكأنّه لا علاقة لهذا الدين بتنظيم المجتمع وتحديد أهداف الأمة وصبغها بالهوية الإسلامية لتشكّل محور الاستقطاب الوحيد لها!

وبذلك يكون سياق هذه الآيات قد أخرج لنا مفهوم الهوية الإسلامية بأبهى حلّة وأنقى صورة!

(1) في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب، من تفسير سورة آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت