الصفحة 19 من 92

يقول تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون: 52) .

يقول صاحب الظلال رحمه الله:"وتتلاشى آماد الزمان، وأبعاد المكان، أمام وحدة الحقيقة التي جاء بها الرسل. ووحدة الطبيعة التي تميزهم. ووحدة الخالق الذي أرسلهم. ووحدة الاتجاه الذي يتجهونه أجمعين: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون .. } " [1] . انتهى كلام صاحب الظلال.

تتجلّى وحدة الهويّة لهذه الأمة في هذه الآية أبهى تجلّ وأعذبه؛ فهي أمّة واحدة، تحمل أهدافا وغايات واحدة، وطموحات واحدة، ومنهجًا واحدًا، ومصيرًا واحدا. وهي وحدة تتعدّى حدود الزمان والمكان، وترتفع فوق عوامل الوحدة الأرضية والعرقيّة، وحدة تنبثق من هذا التقرير القرآني لخالقها سبحانه، وهل بعد تقرير الله سبحانه يكون لأيّ من البشر مكانٌ لتقرير؟!

أمّة واحدة لا ينبغي أن تنقسم على نفسها كما انقسمت في العهود الأخيرة، وأصبحت"أمما"شتّى، تتنازعها مصالح أرضية شتى، وأهواء شتى. أمّة واحدة تحدّد وجهتها التي أرادها الله لها، ثمّ تمضي في الطريق الواصل إلى الله .. بإذن الله.

تبرز الآياتُ التي تبيّن معاني الولاء في الإسلام بقوّة في كتاب الله تعالى، وقد بيّنا في الفصل السابق ارتباط معاني الهويّة الإسلامية بالولاء الذي هو ركن من أركان التوحيد. ونذكر بعض هذه الآيات تأكيدا لهذا المعنى:

يقول تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55) . ولفظ"إنّما"يفيد الحصر، فبيّن أن الولاء لا يجوز أن ينصرف لغير الله ورسوله والمؤمنين، فلا يجوز أن يوالي المسلم قومه لمجرّد رابطة النسب والقوم، ولا أن يوالي المواطنين في بلده لمجرّد أنهم يقطنون في وطنه، وكونه لا يواليهم لا يعني أنّه لا يعاملهم بالبرّ، كما يقول تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) . ولكنّ المعاملة بالبرّ شيء، واتخاذهم إخوانا وموالاتهم شيء آخر، فالله سبحانه لم يقل"لا ينهاكم أن تتخذونهم إخوانا"، ولكن أمرنا بالبرّ بهم والقسط إليهم، والبرّ بهم والقسط إليهم لا يقتضيان أيّ نوع من الأخوة أو الموالاة! وكذلك الأمر بالنسبة للمحبّة التي يريد بعض النّاس أن تقتضيها الأخوة الوطنية أو القومية المزعومة؛ فقد كان أمر الله واضحا في النهي عن موادّة من حادّ الله ورسوله حتى لو كان من قومنا بل من أهلنا: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة: 22) . ونهى سبحانه عن موالاتهم حتى لو كانوا آباءنا وإخواننا! يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ

(1) في ظلال القرآن، الأستاذ سيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت