الصفحة 20 من 92

الظَّالِمُونَ (التوبة: 23) . وقد نهى الله سبحانه عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران: 28) . ومن المعلوم أن الوطن والقوم يحويان أخلاطا شتّى؛ من الكفار والمؤمنين، فكيف يستقيم مع هذا البيان من العليّ الجليل قولُ من يقول بوجود ولاء قومي وولاء وطنيّ؟ ونهى الله سبحانه كذلك عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: 51) . فكيف يستقيم مع هذا البيان الواضح الجليّ قول من يقول بوجود الولاء الوطني والقومي، ومن المعلوم أنّه قد يكون في قوم المسلم ووطنه يهود أو نصارى؟!

فالأصل بهويّة المسلم أن تكون إسلامية خالصة فحسب، لا يوالي الناس على أساس قوميّاتهم ولا على أساس أوطانهم، ولا ينتمي إليهم على أساس هذه الاعتبارات الأرضية الجبرية، وإنّما يرتفع ليكون المعيار الربّاني هو المحور الذي تُبنى عليه هويّته الفرديّة والجماعيّة.

والقرآن الكريم يبيّن معيار تقويم الناس، وأنّه لا مساواة بين المؤمن والفاسق، فضلا عن أن تكون هناك مساواة بين المؤمن والكافر! يقول تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّا يَسْتَوُونَ} (السجدة: 18) . ويقول تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} (القلم: 35) . ويقول تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص: 28) . إنّ المعيار في المساواة بين النّاس والمفاضلة بينهم ليس هو كون هؤلاء الناس من قومنا أو من وطننا، ليس هو"الأخوة القومية"أو"الأخوة الوطنية"المزعومة! وإنّما المعيار - كما هو واضح في محكم الآيات - معيارُ"الدين".

يقول تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (الأنبياء: 10) .

يقول صاحب الظلال في معرض تفسيره لهذه الآية:"ولقد كان به ذكر العرب ومجدهم حين حملوا رسالته فشرقوا بها وغربوا. فلم يكن لهم قبله ذكر، ولم يكن معهم ما يعطونه للبشرية فتعرفه لهم وتذكرهم به. ولقد ظلت البشرية تذكرهم وترفعهم طالما استمسكوا بهذا الكتاب، وقادوا به البشرية قرونًا طويلة، فسعدوا وسعدت بما معهم من ذلك الكتاب. حتى إذا تخلوا عنه تخلت عنهم البشرية، وانحط فيها ذكرهم، وصاروا ذيلًا للقافلة يتخطفهم الناس، وكانوا بكتابهم يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون!"

وما يملك العرب من زاد يقدّمونه للبشرية سوى هذا الزاد. وما يملكون من فكرة يقدّمونها للإنسانية سوى هذه الفكرة. فإن تقدّموا للبشرية بكتابهم ذاك عرفتهم وذكرتهم ورفعتهم، لأنها تجد عندهم ما تنتفع به. فأما إذا تقدّموا إليها عربًا فحسب بجنسية العرب. فما هم؟ وما ذاك؟ وما قيمة هذا النسب بغير هذا الكتاب؟ إنّ البشرية لم تعرفهم إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت