الصفحة 21 من 92

بكتابهم وعقيدتهم وسلوكهم المستمدّ من ذلك الكتاب وهذه العقيدة.

لم تعرفهم لأنهم عرب فحسب. فذلك لا يساوي شيئًا في تاريخ البشرية، ولا مدلول له في معجم الحضارة! إنما عرفتهم لأنهم يحملون حضارة الإسلام ومثله وفكرته. وهذا أمر له مدلول في تاريخ البشرية ومعجم الحضارة!" [1] ."

يقول تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (هود: 46) .

يقول صاحب الظلال في معرض تفسير هذه الآيات:"والآن وقد هدأت العاصفة، وسكن الهول، واستوت على الجودي. الآن تستيقظ في نفس نوح لهفة الوالد المفجوع: {ونادى نوح ربّه، فقال: ربّ إنّ ابني من أهلي، وإنّ وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين} ."

ربّ إنّ ابني من أهلي، وإنّ وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. فلا تقضي إلا عن حكمة وتدبير ..

قالها يستنجز ربّه وعده في نجاة أهله، ويستنجزه حكمته في الوعد والقضاء ..

وجاءه الرّد بالحقيقة التي غفل عنها. فالأهل - عند الله وفي دينه وميزانه - ليسوا قرابة الدم، إنما هم قرابة العقيدة. وهذا الولد لم يكن مؤمنًا، فليس إذن من أهله وهو النبي المؤمن .. جاءه الرد هكذا في قوة وتقرير وتوكيد؛ وفيما يشبه التقريع والتأنيب والتهديد: قال: {يا نوح إنّه ليس من أهلك، إنّه عمل غير صالح، فلا تَسْأَلْنِ ما ليس لك به علم. إني أعظك أن تكون من الجاهلين .. } .

إنها الحقيقة الكبيرة في هذا الدين. حقيقة العروة التي ترجع إليها الخيوط جميعًا. عروة العقيدة التي تربط بين الفرد والفرد ما لا يربطه النسب والقرابة: {إنّه ليس من أهلك. إنّه عمل غير صالح .. } فهو مُنبتٌّ منك وأنت مُنبتٌّ منه، ولو كان ابنك من صلبك، فالعروة الأولى مقطوعة، فلا رابطة بعد ذلك ولا وشيجة" [2] ."

يقول تعالى في قصّة سيّدنا موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة: 25) .

يقول صاحب الظلال في معرض تفسيره لهذه الآية:".. فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق الله الوثيق .. ما يربطه بهم نسب. وما يربطه بهم تاريخ. وما يربطه بهم جهد سابق. إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى الله، وهذا الميثاق مع الله. وقد فصلوه. فانبتّ ما بينه وبينهم إلى الأعماق. وما عاد يربطه بهم رباط .. إنّه مستقيم على عهد الله وهم فاسقون .. ..."

(1) في ظلال القرآن، الأستاذ سيد قطب.

(2) في ظلال القرآن، الأستاذ سيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت