الصفحة 22 من 92

إنّه مستمسك بميثاق الله وهم ناكصون ..

هذا هو أدب النبي. وهذه هي خطة المؤمن. وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون .. لا جنس. لا نسب. لا قوم. لا لغة. لا تاريخ. لا وشيجة من كل وشائج الأرض؛ إذا انقطعت وشيجة العقيدة؛ وإذا اختلف المنهج والطريق .." [1] ."

يقول تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 139) . ويقول تعالى: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 8) .

والدلالة أنّ الاستعلاء والاعتزاز إنّما يكون بالإيمان لا بأيّ شيء سواه من جنس ونسب ووطن. فمهما اعتزّ المسلمون اليوم بهذه الأوثان المعاصرة فإنّهم لا محالة واقعون في المهانة والاستضعاف، كما قال سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنّا كنّا أذلّ قوم فأعزّنا الله بالإسلام، فمهما طلبنا العزّ بغير ما أعزّنا الله أذلّنا الله". فإلى متى تظلّ هذه الأعداد الغفيرة من الأمّة ماضية في مخالفة أمر الله معتزّةً بالقوميّات والوطنيّات المعاصرة؟ فيعتزّ الفلسطينيّ بفلسطينيّته، والمصريّ بمصريّته، والسوريّ بسوريّته، والعراقيّ بعراقيّته، والسعوديّ بسعوديّته، والمغربيّ بمغربيّته .. إلخ. وكلّ هذه جاهليات، وكلّها مخالفٌ لأمر الله، وكلّها عوامل على التأخّر والمذلّة والاستضعاف!

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) .

يقول صاحب الظلال:"يا أيها الناس. يا أيها المختلفون أجناسًا وألوانًا، المتفرقون شعوبًا وقبائل. إنكم من أصل واحد. فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بددًا."

يا أيها الناس. والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم .. من ذكر وأنثى .. وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم شعوبًا وقبائل. إنها ليست التناحر والخصام. إنما هي التعارف والوئام. فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله. إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} .. والكريم حقًا هو الكريم عند الله. وهو يزنكم عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين: {إن الله عليم خبير} ..

(1) في ظلال القرآن، الأستاذ سيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت