قالوا: إن الإسلام هو مصدر كل شيء، ولكننا لا نستطيع أن نصف كل شيء ونقول عنه إنه"واجب إسلامي"، فهناك تقسيمات"اصطلاحيّة"داخل الإسلام لمختلف مجالاته، وهي بمثابة تخصصات في التسمية لتسهيل الفهم والتعامل مع دين الله عزّ وجلّ. فنحن نقول مثلا:"فلان عمل هذا بدافع إسلامه وأخلاقه الحسنة". فنقوم بعطف الأخلاق على الإسلام ليس اقتضاءً للاختلاف بين"الإسلام"و"الأخلاق الحسنة"، فالأخلاق الحسنة جزء من واجبات الإسلام، وإنما كان عطفها عليه"عطفَ جزءٍ على كلّ"كما يقول البلاغيّون، وقد جُعل هكذا للتركيز على جانب الأخلاق في هذا الرجل، وأنّ هذا الجانب هو الذي أثّر في انبعاث هذا العمل منه. وهكذا الأمر بالنسبة للوطنية، فهي من واجبات الإسلام، ولكنّنا حين نقول في خطاباتنا مثلا:"يفرض ذلك علينا الواجب الإسلامي، والواجب الوطني"، حين نقول ذلك لا نقصد أن هناك"قيمًا"و"واجبات"مصدرها الإسلام، و"قيمًا"و"واجبات"أخرى مصدرها الوطنية، إنما ذكرنا الواجب الوطني للتركيز على هذا الجانب من الإسلام، لأنّ مضمون حديثنا هو الدفاع عن الأرض والمحافظة عليها، فكان طبيعيا أن نُبرز هذا الجانب من الإسلام، فالإسلام يحثّ على تعمير الأرض وحمايتها والحفاظ عليها، وهذه بمجموعها نسمّيها"وطنية"، وهي من مقتضيات الإسلام، وإنما أبرزناها في الخطاب عطفًا على الإسلام باعتبارها جزءًا منه، ولكنّه جزء لصيقٌ بمجال الخطاب فكان إبرازه ضروريا.
وهي تبدو للوهلة الأولى - بحقّ - حجّة قوية، تُنهي هذا الخلاف، وتجعلنا نقبل مصطلح"الوطنية"بهذا المعنى"الإسلامي"، ولكنّنا مع ذلك نرفض الوطنية، اسما ومعنى، للأسباب التالية:
1)ذكرنا كيف أن الواقع الفعليّ الموجود في حسّ الناس عن الوطنية هو ليس هذا، رغم وجود هذا التبرير منذ فترة طويلة، بأنّ الوطنية جزء من مقتضيات الإسلام، فهو تبرير"نظري""لا واقعي"، حيث يظهر فقدان فاعليّته في الساحة الإسلامية، بما يجري في هذه الساحة من"خطاب"أو"رؤية"أو"ممارسة"وطنية تخالف الإسلام كلّها كما بينّا في الفقرات السابقة.
2)لم يكن هناك وجود لمسمّى"الوطنية"قبل أكثر من قرن من الزمان، بل بدأت بذور هذا المصطلح ومقتضياته تُزرع في بدايات القرن العشرين، وكان أبرز من أظهر هذا التوجّه الوطني هو سعد زغلول في ثورة 1919، وبالرغم من عدم تداول المصطلح قبل هذه الفترة لم تكن هناك مشكلة في إنشاء خطاب إسلامي يحثّ على الدفاع عن الأرض وتنميتها وتعميرها، فالتحجّج بضرورة استعمال المصطلح ضعيف من هذا الباب.
3)يمكننا أن نسمّي هذه الواجبات تجاه الأرض والأوطان بمسمّياتها دون أن نسمّيها"وطنية"، فنسمّيها مثلا: تنمية الأرض، أو: تعمير الأرض، أو: حماية الأرض .. إلخ، وأن نبيّن في الخطاب ارتباط هذه القضايا بالإسلام، وأنّها من مقتضياته مباشرة، وبهذا يمكننا الاستغناء عن مصطلح"الوطنية"الدخيل وما يحمل في ظلاله من معاني مخالفة لدين الله عزّ وجلّ.
4)أن مصطلح"الوطنية"مصطلح دخيل على الأمة الإسلامية، وهو مصطلح"قِيَميّ"، أي ليس مجرد شكل ماديّ أو مدنيّ، إنما هو أمر يحمل قيمًا معينة، فكان من التبعية والضعف والهزيمة النفسية أن يتمّ التعامل معه ومع غيره من المصطلحات المشابهة بهذا المنهج"التوفيقي"، أي بأن نأخذ منه ما يوافق الإسلام ونحوّر مضمونه الأصلي ثمّ نجعله من