الصفحة 62 من 92

مقتضيات الإسلام! لإظهار مواكبة الإسلام للعصر أو لأسباب أخرى. فالإسلام أولا ليس بحاجة إلى هذا"التزيين"من المصطلحات البشرية الجاهلية! والنظرة إلى مصطلحات الجاهلية المعاصرة على أنها أشياء"قياسية"عامة لكلّ البشر هو تبعية محضة وانتقاص للقدرات الذاتية للأمة الإسلامية كأمة متفردة، وهذه التبعية لا يمكن أن تحدث في ظلّها نهضة عند الأمة الإسلامية.

5)أنّ كلمة الوطنية حملت في معناها الأساسي المتداول بين الناس قيما مخالفة للإسلام ولا يمكن أن تلتقي معه، وهذا هو أساسها ومحورها، وإن كانت لها توابع توافق الإسلام مثل: حبّ الوطن، والدفاع عنه. فحين يكون خطابنا مطعّما بالوطنية واستخدام المصطلح نكون قد وقعنا في شبهة انصراف المعنى المراد إلى قيمها المخالفة للدين (وهذا هو الأصل والذي يحدث في الواقع!) ، وقد أُمِرْنا في الإسلام أن نتّقي الشبهات كما في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام:"إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس. فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .." (صحيح مسلم) . فكان الأحرى للمسلم أن يمتنع عن استعمال مصطلح"الوطنية"في خطابه اتّقاءً للشبهة، خشية أن يقع في محظور مشابهة المذهب الوطني المخالف للإسلام، فإن المعنى ينصرف إليه عند العامة. ولنا في قصّة نَهْي الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن استخدام كلمة"راعنا"خير عبرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة: 104) . حيث أمرهم بالامتناع عن استخدام كلمة"راعنا"واستبدال كلمة"انظرنا"بها؛ لأن اليهود اغتنموا فرصة استخدام المسلمين لها وخاطبوا بها النبيّ - صلى الله عليه وسلّم - بقصد الشتم، لأنها تفيد معنى الشتم في لغتهم، مع أنّ الكلمة في الأصل كلمة عربية أصيلة واستخدمها المسلمون قبل اليهود! ولكن لأنّ استخدامها يتيح لليهود تمرير المضمون المسموم حرّم الله استخدام المسلمين لها، فكيف نقول اليوم والوطنية في الأصل كلمة دخيلة ولسنا بحاجة إليها فضلا عن احتوائها على معاني مخالفة للإسلام بصورة واضحة وانتشارها بهذه المعاني في حسّ الناس؟! فالأحرى بالمسلم نبذها والكفّ عن استخدامها في خطابه.

6)الأصل في استخدام أي مصطلح ردّ معناه إلى مراد القوم الذين أبدعوه، بالصورة التي نشأ فيها عندهم، لأن معناه خاص بملابسات خاصة في بيئة القوم. كما هو الحال - على سبيل المثال - في مصطلح"الديمقراطية"، الذي أساس معناه عند القوم الأوروبيين الذين ابتدعوه (كنظام للحكم بناء على تراثهم الإغريقي مع إضفاء شكل جديد له) هو حكم الشعب بالشعب، أو الأكثرية من الشعب، بما يشمل من التشريع من قبل الشعب (وليس فقط الشورى لاختيار الحاكم) ، وبما يشمل من الحريات الأربعة وغيرها المخالفة في مجملها للإسلام. فلا يجوز - علميًّا - أن يأتي أحدهم ويأخذ المصطلح ليصف به نظاما يخالف أسس المعنى المراد من المصطلح الأساسي كما هو عند القوم الذين أنشأوه! كأن يقول مثلا:"الديمقراطية هي اختيار الحاكم من قبل الشعب"، وأن يصف نظاما يردّ التشريع لله - عزّ وجلّ - ويحتكم إلى نصوص الشرع ويجعل لها السيادة بأنّه نظام"ديمقراطي"! فأصل الديمقراطية مبنيّ على ردّ التشريع ووضع منهج الحياة إلى إرادة الشعب (في الواقع إرادة الأقلية الحاكمة) ، وأصل الإسلام ردّ التشريع ووضع منهج الحياة لله وحده! وكذلك الأمر مع"الوطنية"، لا يمكن أن نأخذ بعض مقتضياتها (لا أساس معناها) ثم نطلق على ما أخذناه وصف:"وطنية"! تماما كما أنني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت