هنا تنشأ تلك الطاقة العجيبة التي تنطلق في الأرض لبناء الحضارة الإسلامية من جديد، كما كانت في قلوب أولئك النفّر الكرام الذين وضعوا حجارة الأساس فيها، حين وقف واحد منهم أمام قائد الفرس رستم وقال:"إنّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
خلاصة:
وأخيرا نقول لهؤلاء الذين يقلّلون من أهمية تصحيح هذا المفهوم، ولا يعتبرون أن ثمّة خطر فيه: ألمْ تروا تلك الثمار النكدة للوطنية؟ والتي لا زلنا تعيش في ظلالها المشؤومة هذه الأيام؛ حيث يقتل آلاف المسلمين في أرض ليبيا المسلمة، ويسبحُ الآخرون في حمّام الدم، ورغم ذلك يقف عاشر أكبر جيش في العالم (الجيش المصري) بمقربة من هذه المجازر لا يحرّك ساكنًا! لا لشيء سوى أنّ هؤلاء الذين يموتون ليسوا"مصريّين"، وأنّ التدخل في شؤون"وطن"آخر ليس من مسؤولياته، إنّما مسؤوليته الحفاظ على أمن الوطن المصري! ألا تعسًا للوطنية كم فرّقت أبناء الأمة وكم عوّقتهم عن النهوض!
وخلاصة القول في هذا الفصل أنّ الوطنية لا يمكن بحال أن تكون هي"هويّة"المسلم، ولا مجرّد جزء في هذه الهوية، فهذا يؤدّي إلى تشتّت انتماء المسلم وفقدان فاعليّة الهويّة الإسلاميّة، فضلا عن مخالفته للشريعة الربانية.
والمسلم يرفض الهويّة الوطنيّة لأنّها:
-تشوبُ صفاء التوحيد وتنقض عقيدة"الولاء والبراء"فيه إنْ جعلَها الإنسان محور ولاء؛ بأن يكون ولاؤه منعقدا على أبناء الوطن الواحد بغضّ النظر عن معتقداتهم وأفكارهم، بل حتى لو كانوا من المشركين!
-اتباع للأهواء وعقول البشر فيما ينبغي أن تكون مرجعيّته هي الشرع وحده، فهي زعمٌ (بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال) أنّ هناك قيمًا إنسانية يكون لها مصدرٌ يملك فرضها أو إباحتها أو حظرها غير الشريعة الإسلامية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، وهذا المصدر هو"الوطنية"أو"الحسّ الوطني"أو"الثوابت الوطنية"!
-تفتقرُ إلى الموضوعية؛ فلا يوجد ضابط يحدّد"القيم"التي تقتضيها، بل كلٌّ يزعم لها ما يشاء، ويُدخل في مقتضياتها ما يشاء.
-نزعة لا إنسانية؛ كونها تُفاضلُ بين البشر وتقوّمهم وفقا لكيانهم"الجبري (أرض الولادة، الوطن، النشأة) ، فتجعل رابطة الانتماء بين البشر على أساس هذا الكيان الجبري للإنسان حتى لو كان الإنسان كافرا معرضا عن عبادة الله. وتجعلُ من الهوية الإسلامية والانتماء وفق الكيان"الاختياري"للإنسان نزعة"طائفية" [1] "متعصّبة"، مع أن المنطق الموضوعي يبرهن أن النزعة الوطنية هي"المتعصّبة"و"اللاإنسانية"!"
(1) سوف يأتي الحديث عن شبهة"الطائفية"في فصل تالٍ بإذن الله.