الصفحة 57 من 92

فتحلونه، قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم" [1] ."

ويقول الشيخ الشعراوي - رحمه الله - في معرض تفسيره للآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... } (البقرة: 143) :

"الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يعيشوا مادية الحياة بقيم السماء .. وهذه وسطية الإسلام، لم يأخذ الروح وحدها ولا المادة وحدها .. وإنما أوجد مادية الحياة محروسة بقيم السماء .. فحين يخبرنا الله سبحانه أنه سيجعلنا أمة وسطا تجمع خير الطرفين نعرف أن الدين جاء ليعصم البشر من أهواء البشر."

"الله تبارك وتعالى يريدنا أن نبحث في ماديات الكون بما يخلق التقدم والرفاهية والقوة للبشرية .. فما هو مادي معملي لا يختلف البشر فيه .. لكن ما يدخل فيه أهواء البشر ستضع السماء لكم قانونه .. فإذا عشتم بالأهواء ستشقون. وإذا عشتم بنظريات السماء ستسعدون" [2] .

فواقع الأعمال التي توصف بأنها أعمال"وطنية"، أو أنها"واجب وطني"، أو"محظور وطني"، أو"ثوابت وطنية"، واقع هذه الأعمال أنّها تدخل عليها"أهواء"البشر، فهي نشاطات إنسانية ينبغي تقويمها بالمعيار الشرعي لا بالمعايير البشرية، فليس ثمّة أحد يملك أن يفرض الواجبات والمحظورات إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا أصل في الدين لا ينبغي أن يخالف فيه مسلم. ولذلك فحين يقول أحد الأساتذة"إن الواجب يستدعي رفض"الخدمة المدنية"جملة وتفصيلا، رغم الإغراءات والمخصّصات والإعفاءات والهبات، لا بل والضغوطات من قبل السلطة وأجهزتها المختلفة، وإلا فإننا سنقع في المحظور، دينيّا ووطنيّا" [3] ! حين يقول هذا الكلام يقع في مغالطة شرعية واضحة، وإن لم تكن مقصودةً على مستوى الاعتقاد بأنّ هناك من يملك فرض الواجبات والمحظورات غير الله سبحانه وتعالى، فإنّها على مستوى التعبير مرفوضة شرعًا، ولا يجوز أن يختلّ معيار الإباحة والحظر والتحليل والتحريم عند المسلم؛ لأنّها مسألة متعلّقة بأصل من أصول الدين، والتأثير على القارئ المسلم يكون كبيرا إن اعتاد كتّابنا على مجاراة مصطلحات العصر دون تمحيص لها إنْ كانت توافق الشرع أو تخالفه. ونحن نتساءل: هل يستوي حال المسلم بين أن يكون له مصدر واحد يستمد منه القيم والموازين والتوجيهات والشرائع، ويتلقّى منه أوامر الإباحة والحظر، وبين أن يكون له مصادر شتّى، يأخذ من كلّ واحد منها بعض التوجيهات في ميادين مختلفة من الحياة؟! والقرآن قبلنا بأكثر من أربعة عشر قرن يتساءل: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 29) . وتلك هي حقيقة دعوة التوحيد؛ دعوة لتوجيه هذا الكيان البشري إلى مصدر واحد، بدلا من أن يتشتّت شمله وتتفرّق كينونته. ومن

(1) الراوي: عدي بن حاتم الطائي، المحدث: ابن تيمية، المصدر: حقيقة الإسلام والإيمان، الصفحة أو الرقم: 111، خلاصة حكم المحدث: حسن.

(2) خواطر محمّد متولّي الشعراوي، ولنا تحفّظ على تعبير"نظريات السماء"؛ فهو لا يليق بوصف شرع الله والله أعلم.

(3) الخدمة المدنية والفلسطينيّون في إسرائيل، مركز الدراسات المعاصرة. والفقرة منقولة من مقدمة الكتاب لـ أ. د إبراهيم أبو جابر - مدير مركز الدراسات المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت