الصفحة 56 من 92

كأرض الميلاد والنشأة. وهذا هو العدل الذي أُمرنا به، والذي تقول به كل فطرة إنسانية سليمة، ويا للعجب حين نعلم كيف زيّف العلمانيون هذه القضية وزعموا - زورا وبهتانا - أن الإسلام كيان"جبري"لأنه أمر"موروث"! وأن القومية والوطنية هي أمور يختارها الإنسان! هذا القلب للمعايير الذي تمارسه تلك الفئات الضالة المضلّة هو بمثابة خنجر يقدح في إنسانية دعواتها ومصداقيتها.

* الواجب الوطني .. والثوابت الوطنيّة:

يكثر الحديث عند دعاة الوطنيّة عن"الواجب الوطني"و"المحظور الوطني"، وعن"الثوابت الوطنية"، وهي قيم جماعيّة معيّنة يلتزم بها المواطنون، أو ينبغي أن يلتزموا بها. والوطنية كنزعة أو رابطة لا تتضمّن بذاتها"المعايير"أو"القيم"أو"الضوابط"التي تحدد كل ذلك؛ فما هي هذه"الواجبات"أو"المحظورات"أو"الثوابت"الوطنية بالضبط؟ ومن الذي يحدّدها؟ وما مرجعيتها المعيارية التي تضبط ما هو"وطنيّ"وما هو"ليس بوطنيّ"؟ إنها في الحقيقة معايير وضعها البشر وألصقوها باسم"الوطنية"، وبأنّ الوطنية تقتضيها، وتعارفوا عليها عبر العقود. والله سبحانه وتعالى نهى عن التحاكم إلى عقول البشر في شؤون تحديد"القيم"و"المعايير"و"التشريع"للناس، وسمّى ذلك عبادة للطاغوت (وهو كل ما يُعبد من دون الله، أي يُطاع من دونه سبحانه) ، وجعله محكًّا للإيمان، وأمر بالرجوع إلى الشرع فيما تختلف فيه الأهواء وآراء الناس، وواقع الثوابت الوطنية أنها دون ضابط واضح، وتختلف فيها أهواء الناس وآراؤهم، ولنا جولة أخرى مع كتاب الله تعالى نستمدّ منها تلك المعاني، فهو دليلنا ومرشدنا ونورنا الذي نهتدي به في الظلمات:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} (النساء: 60) .

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (البقرة: 213) .

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة: 31) .

وفي تفسير هذه الآية نورد هذا الحديث النبوي:

"قدم عديّ بن حاتم على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو نصراني فسمعه يقرأ هذه الآية:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون". قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت